
د. طارق عشيري
أستاذ العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية في الجامعات السودانية
• تاريخ السودان مليء بمحطات مضيئة وأخرى مؤلمة، من الاستعمار إلى الانقلابات العسكرية، ومن الحروب الأهلية إلى الانقسامات القبلية والسياسية. هذه الأخطاء صنعت واقعًا هشًّا، لكن أيضًا منحت دروسًا قاسية يمكن أن تكون أساسًا لنهضة حقيقية إذا استوعبها الناس.
السودان بلد غني بالتاريخ والتجارب، لكنه أيضًا مثقل بالأخطاء التي قادت إلى أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متكررة. منذ الاستقلال وحتى اليوم، ظلّت الأزمات تتجدد في صور مختلفة، من الانقلابات العسكرية إلى الصراعات القبلية، ومن سوء إدارة الموارد إلى غياب المشروع الوطني الجامع. هذه الأخطاء ليست مجرد وقائع في التاريخ، بل جروح مفتوحة ما زالت آثارها واضحة في حياة السودانيين اليومية.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يمكن للسودانيين تصحيح أخطاء الماضي؟
التصحيح يبدأ بالاعتراف. فالشعوب التي تنكر ماضيها لا تستطيع بناء مستقبلها. السودانيون بحاجة إلى مواجهة صريحة مع الذات، والاعتراف بأن الانقسامات الداخلية، والارتهان للعسكر، وتغليب الولاءات القبلية والجهوية على حساب الدولة، كلها أخطاء دفعت الوطن نحو التدهور.
الاعتراف هنا لا يعني جلد الذات، بل هو الخطوة الأولى نحو العلاج.
من دون مصالحة شاملة بين أبناء الوطن لن يكون هناك استقرار. الحرب الأخيرة كشفت أن النزاعات لم تعد مجرد خلافات سياسية، بل تحولت إلى انقسامات اجتماعية عميقة. لذلك، يحتاج السودان إلى مشروع مصالحة وطنية، يعيد بناء الثقة بين المكونات المختلفة، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمساواة.
أحد أخطر أخطاء الماضي هو العقلية الإقصائية، حيث يرى كل طرف أنه الأحق بالحكم والسيطرة. هذه العقلية أهدرت الفرص وأطالت عمر الأزمات. المطلوب اليوم هو عقلية جديدة تقوم على الشراكة، والتفكير في «الوطن أولًا» بدلًا من التفكير في «المجموعة أولًا». هذا التحول الذهني سيكون أساس أي مشروع إصلاحي حقيقي.
من دون تعليم عصري ووعي مجتمعي، سيظل السودان يدور في نفس الحلقة المفرغة. التعليم هو الأداة الأقوى لتصحيح أخطاء الماضي، لأنه يحرر العقول من قيود الجهل، ويفتح الباب أمام التفكير النقدي، ويؤسس لثقافة جديدة ترفض الاستبداد وتتمسك بالحرية والديمقراطية.
أحد أكبر الأخطاء أن السودان لم يمتلك عبر تاريخه الحديث مشروعًا وطنيًا موحدًا يجمع كل أبنائه. تصحيح الماضي يتطلب صياغة رؤية مستقبلية واضحة، تحدد الأولويات: إعادة الإعمار، استغلال الموارد، بناء مؤسسات قوية، وإرساء نظام سياسي مستقر. هذا المشروع يجب أن يكون نتاج حوار وطني حقيقي، لا اتفاق نخبوي محدود.
من الأخطاء المتكررة أن كل مرحلة سياسية كانت تبدأ بتصفية حسابات الماضي بدلًا من العدالة الحقيقية. العدالة الانتقالية العادلة، التي تقوم على كشف الحقائق، الاعتراف بالجرائم، جبر الضرر، والمساءلة القانونية، هي الطريق لتجاوز المرارات ومنع تكرار المظالم.
السودان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. تصحيح أخطاء الماضي ليس مهمة سهلة، لكنه ليس مستحيلًا. المطلوب هو شجاعة جماعية، ورؤية استراتيجية تضع السودان فوق الانقسامات. فالأمم التي تعلمت من أخطائها نهضت، وتلك التي كررت نفس الأخطاء انهارت. والسودانيون اليوم أمام فرصة تاريخية: إما أن يتعلموا من الماضي ليبنوا وطنًا جديدًا، أو يكرروا نفس المسار ليظل الوطن أسيرًا للأزمات.
إن تصحيح أخطاء الماضي ليس ترفاً فكرياً، ولا ترديداً لشعارات عاطفية، بل هو واجب وطني يفرضه التاريخ، وتستلزمه معاناة الحاضر، وتستدعيه تحديات المستقبل. فالشعوب لا تنهض إلا حين تراجع مسيرتها بشجاعة، وتواجه انكساراتها بوعي، وتتعلم من تجاربها بروح المسؤولية لا بروح الاتهام. والسودانيون اليوم أمام فرصة تاريخية لبناء دولة العدل والحرية والسلام، دولة لا مكان فيها لتكرار الفشل، ولا لإعادة إنتاج الصراعات. إن تجاوز الماضي لا يكون بالإنكار أو الهروب، بل بالاعتراف والتصحيح والعمل الجاد، حتى نترك للأجيال القادمة وطنًا يليق بتضحيات الآباء وصبر الأمهات وأحلام الشباب. وما السودان إلا أمانة في أعناقنا، إمّا أن نُعيد صياغته على أسس جديدة، أو نسمح للأخطاء ذاتها أن تبتلع مستقبله مرة أخرى.
شارك المقال