من علوم النبات إلى الإعلام.. أريج عبدالقادر إبراهيم: الابتعاد عن الوطن كان أصعب قرار
Admin 29 نوفمبر، 2025 31
حوار : طارق عبدالله علي
• أريج عبدالقادر إبراهيم أحمد قامة إعلامية سودانية برزت في ظرف استثنائي، لتتحول فيه الكلمة إلى جسر محبة وذاكرة وطن، وهي تمثل نموذجاً يجمع بين عمق الخلفية الثقافية ومرونة الإعلام الرقمي المؤثر. تقيم الأستاذة أريج حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تحولت تجربتها في المهجر إلى دافع لربط الشتات بذاكرة الوطن.
نشأت ضيفتنا في بيئة أدبية أصيلة؛ فوالدها هو الشاعر والكاتب عبد القادر إبراهيم أحمد مصطفى، وهذا الإرث هو النبع الذي روى وعيها وموهبتها منذ بداياتها الثقافية أثناء مراحل دراستها الأكاديمية. رغم دراستها علوم النبات، وتنوع مساراتها المهنية بين الدبلوماسية والعمل الإداري، فإنها اختارت الكلمة مجدداً عندما ألقت ظلال الحرب في السودان بثقلها.
ولدت مبادرتها الإعلامية الأهم، بودكاست «إزيكم»، ليتحول من نقاش عابر في المهجر إلى مساحة دافئة ومؤثرة لتوثيق الثقافة والعادات السودانية وجمع الشتات المعنوي. قدمت أريج عبره «24» حلقة جذبت الأنظار، ليصبح هذا البودكاست منارة لقصص الصمود والأمل.
ونحن متشوقون لنتحدث عن تجربتها الفريدة. فإلى الحوار..
• كيف أثر إرث والدك الشاعر والأديب عبد القادر إبراهيم أحمد مصطفى، وخلفيتك في المسرح، على قدرتكِ في عملك الإعلامي اليوم؟
– في البدء أشكرك يا طارق على إتاحة الفرصة وتعريفي كقامة إعلامية، ذلك شرف كبير لم أنله بعد، فأنا ما زلت في بداية طريقي كهاوية، ولكني عازمة على المضي قدماً بإذن الله تعالى. يُقال: «كل فتاة بأبيها مُعجَبة»، وهذه المقولة صحيحة مئة بالمئة، فمنذ صغري وأنا أحاول محاكاة والدي في نظم الشعر وكتابة النثر الأدبي. كما أن سنوات طفولتي في المملكة العربية السعودية، ومشاركتي في المناشط المدرسية كان لها عظيم الأثر في محبتي للعمل الإعلامي.

• انتقلتِ بين دراسة علوم النبات والعمل الدبلوماسي، ما سر هذا التنقل في المسارات المهنية المختلفة، وكيف أفادت هذه التجارب المتنوعة شخصيتكِ الإعلامية الحالية؟
– العمل الدبلوماسي لم يكن عملاً دبلوماسياً بمعنى الكلمة، ولكنه مجرد عمل إداري مع والدتي في الملحقية الثقافية بالسفارة اليمنية بالخرطوم. وبالنسبة للتنقل بين المسارات المهنية، فأنا مقتنعة تماماً بأن التنوع العلمي والعملي هما سر الثراء المعرفي الذي بدوره يؤثر على العمل الإعلامي.
• منذ أن انتقلتِ للعيش في المهجر. كيف أثر هذا البعد الجغرافي عليك؟
– برغم نشأتي في المملكة العربية السعودية في سنوات طفولتي الأولى، إلا أني عدت باكراً لحضن الوطن، حيث تكونت شخصيتي وتشكلت انتماءاتي الوطنية وتمحورت عواطفي الوجدانية. من أصعب القرارات بالنسبة لي ولعائلتي كان قرار الابتعاد عن أرض الوطن والاستقرار ببلد المهجر. لكن برغم البعد، فأنا دائماً ما أحاول ربط أبنائي وأبناء جاليتي بالوطن، من خلال المشاركة في العمل العام الطوعي، وتأليف وإخراج مسرحيات عن أحداث الوطن، يشارك فيها شباب الجالية وأطفالها في احتفالات أعياد الاستقلال.
• ما هي أبرز «نقطة تحول» في مسار حياتكِ المهني والشخصي؟ وماذا تعلمتِ من تلك اللحظة التي غيّرت اتجاهكِ؟
– أبرز نقطة تحول في مسار حياتي عموماً، هي استقراري بالولايات المتحدة الأمريكية. تعلمت الكثير الكثير من هذه التجربة، أبرزها تحمل المسؤولية مع محاولة التركيز على النصف الممتلئ من الكوب قدر الإمكان، وأن أي موقف يمر علينا أثناء مسيرة حياتنا هو عبارة عن درس يستحق التوقف والتفكر والاستفادة من العبرة منه.
• متى وكيف تحول نقاشك مع صديقتكِ في المهجر إلى ولادة فكرة بودكاست «إزيكم»، الذي سعى لجمع الشتات المعنوي، وتوثيق الثقافة السودانية في ظل الحرب؟
– بعد اندلاع الحرب في السودان، والمعاناة التي عاناها أهلنا هناك، وانتشار أخبار الموت والشتات والرعب، كانت الحالة النفسية لنا جميعاً سيئة. وكنا أنا وصديقتي تيسير نتحدث يومياً عن الأحداث في السودان، واكتشفنا أن التحدث والتفاكر نوع من أنواع التنفيس والترويح عن النفس، ومن هنا ولدت فكرة بودكاست «إزيكم».
• وُلد البودكاست في ظل ظروف استثنائية. ما الرسالة الأهم التي حملتها الـ 24 حلقة التي قدمتموها، وكيف ساعدكم الإعلام الرقمي في تحقيق التواصل الفعال؟
– رسالة بودكاست «إزيكم» هي في الأصل رسالة طبطبة لنا كشعب مكلوم ودعم نفسي وتوعية، ومحاولة استخراج المِنحة (إن وُجدت) من داخل المِحنة. بدأنا بحلقتين من خلال الـ Clubhouse بفريق عمل يضم أخواتي شذى وندى وصديقتي إسراء شاطر، ثم واصلنا بقية الحلقات كبث حي في منصة فيسبوك كل يوم أحد. أنشأنا مجموعة وصفحة باسم البودكاست، واستضفنا العديد من الضيوف الكرام بمواضيع مختلفة ومتنوعة. ومؤخراً انضم الأخ أسامة البلولة لفريق العمل. توقف البودكاست كبث حي مباشر، وواصلت فيه كحلقات قصيرة مسجلة فردية أو حوارية.
• حلقتكم عن «لهجتنا السودانية» و «أنت سوداني» لاقت صدى واسعاً. ما الذي لمسته هذه الحلقات في قلوب السودانيين، برأيكِ؟
– أعتقد أن سبب ملامسة هذه الحلقات لوجدان السودانيين هو أننا كشعب دائماً ما نفتخر بإرثنا الثقافي وعاداتنا وتقاليدنا، ونحب كل ما يمت لها بصلة، وندعم كل من يقوم بنشرها والتعريف عنها.
• ما الممارسات التي تساعد أريج على إعادة شحن طاقتها الذهنية والعاطفية، خاصة في ظل العمل على البودكاست؟
– القراءة والاطلاع ومتابعة الأخبار أولاً، ثم ممارسة الرياضة البدنية والمشي. (هي ممارسة ليست منتشرة ضمن عاداتنا وثقافتنا كنساء سودانيات، وأتمنى لو نتبناها وأن نضعها ضمن برامجنا اليومية أو الأسبوعية، فبجانب فوائدها البدنية لها الكثير من الفوائد الذهنية كذلك).
• بصفتكِ صوتاً يجمع بين الثقافة والإعلام الرقمي، كيف ترين مستقبل الإعلام السوداني بعد هذه المرحلة، وما طموح «إزيكم» في المساهمة بإعادة البناء المعنوي؟

-هذه المرحلة تتطلب الكثير من المصداقية والشفافية وعدم الانحياز، حتى ينجح إعلامنا السوداني في المستقبل. أتمنى لو أستطيع تطوير «إزيكم» حتى يكون له دور فعال في المرحلة القادمة.
• أخيراً.. إذا كان بودكاست «إزيكم» هو مساحة تعكس الحكايات، فما هي الحكاية الأهم عن السودان التي تتمنين أن تصل إلى العالم أجمع الآن، والتي لا تستطيع الأخبار العاجلة نقلها؟
– سؤال جميل جداً. الحكاية الأهم هي حكاية شعب جميل كل ما كان يتمناه هو حياة هادئة بسيطة جميلة في وطن يسع الجميع.. تم قتل طموحه بأيادي الغدر. وما لا تستطيع الأخبار العاجلة نقله هو أن هذا الشعب أثبت مع الأيام أنه شعب مترابط ومتكاتف يشد بعضه عضد بعض.. شعب كهذا بعزيمته القوية وإرادته وهمته العالية سيجتاز الصعاب، وسيعيد أمجاده ويبني مستقبله ومستقبل أولاده.
• وقبل أن نختتم هذا اللقاء الملهم، نود أن نترك لكِ المجال لتقدمي لنا لمسة شخصية أخيرة: ما الأغنية التي تمثل أريج عبد القادر وتعكس رؤيتها أو طاقتها؟
– «لو أعيش زول ليهو قيمة» للفنان الراحل عبدالعزيز العميري.
شارك الحوار
