د. طارق عشيري
أستاذ العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية في الجامعات السودانية
• يعيش السودان لحظة فارقة من تاريخه، بعد أن وضعت حرب الكرامة أوزارها أو أوشكت،حيث يقف الوطن أمام تحدي ومفترق طرق لا يحتمل التردد. فالسودان الذي خرج من أتون معركة مصيرية (دفع ثمنا باهظا) لإثبات وجوده وحماية سيادته، يدخل الآن (مرحلة إعادة تعريف موقعه في خريطة العالم) . وفي قلب هذه التحولات تقف العلاقات السودانية الأمريكية بوصفها أحد أهم المحاور التي (ستُبنى عليها ملامح الدولة الجديدة)
لم تعد واشنطن تنظر إلى السودان باعتباره هامشاً جيوسياسياً، بل كدولة حاضرة في توازنات البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وكشريك محتمل في مستقبل الإقليم. ومن هنا تتعاظم الأسئلة: كيف ستتعامل أمريكا مع سودان ما بعد الحرب؟ وكيف سيعيد السودان صياغة علاقته بالقوة الأعظم في العالم؟
للاجابه علي هذه الأسئلة كان هذا المقال التحليلي لنقف علي تلك العلاقة بعد انتهاء حرب الكرامة أو اقتراب خواتيمها، حيث يقف السودان أمام لحظة سياسية فارقة ستحدد بشكل قاطع علاقاته الإقليمية والدولية لعقود قادمة. وفي مقدمة هذه العلاقات تأتي العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها لاعباً مركزياً في رسم التوازنات الدولية وصياغة المواقف تجاه السودان منذ عقود.
وبعد( المبادرة التي قدمت من السعودية) لوقف الحرب في السودان تحوّلت النظرة الأمريكية للسودان
بعد سنوات من التردد والضبابية في الموقف الأمريكي، جاءت حرب الكرامة لتكشف لواشنطن حجم التحول في الواقع السوداني. فقد أدركت الولايات المتحدة أن السودان( ليس مجرد ساحة نزاع) ، (بل دولة ذات وزن استراتيجي) في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وأن استقراره ضرورة إقليمية ودولية.
تتعامل واشنطن حالياً مع السودان من زاوية الأمن الإقليمي:
حماية البحر الأحمر.
مكافحة الإرهاب.
الحد من النفوذ الروسي في المنطقة.
والنظر ايضا للصين كمنافس قوي للدخول في اعمار السودان وتركيا ايضا تقف علي استعداد تام للمشاركة
ضمان عدم تمدد المجموعات المسلحة خارج السيطرة.
هذه الملفات ستجعل أمريكا أكثر انخراطاً في السودان، ولكن ذلك الانخراط سيأتي مشروطاً بإصلاحات سياسية واضحة واتفاق شامل يعيد بناء الدولة.
ولن تعود العلاقة كما كانت قبل الحرب. أمريكا لن تكتفي بالمراقبة، بل ستسعى لتهيئة نظام سياسي مستقر، وقد تتجه إلى دعم التحول المدني، شرط وجود قيادة سودانية موحدة وبرنامج وطني واضح.
وواشنطن ستربط أي دعم اقتصادي أو سياسي بـ:توحيد المؤسسة العسكرية.
وإنهاء المليشيات ودمجها وفق معايير واضحة.
وقد تطرح في حلولهاقيام حكومة انتقالية ذات شرعية وطنية.
كذلك المصالح الاقتصادية التي تسعي اليها الولايات المتحدة منذ فترة طويلة تعتبره باب جديد للتقارب
رغم الحرب، وتبقى الموارد السودانية – (خاصة الذهب) ، (الزراعة، والموانئ) – مجالاً مهماً للمصالح الأمريكية والشركات الكبرى.
وقد نشهد في مرحلة ما بعد الحرب السعي الجاد في
استثمارات أمريكية في البنية التحتية.بعد الدمار الذي حدث اثناء الحرب
وهناك دوراً أكبر للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)
وهي فرصة لشراكات في مشروعات الطاقة والزراعة.
لكن كل تلك الاراءالتي ذكرناهايبقي( الموقف السوداني هو العامل الحاسم في مستقبل هذه العلاقة)
و( لن تحدده واشنطن وحدها) ، بل قدرة السودانيين على تشكيل مشروع وطني جامع. كلما كان المشهد السياسي أكثر وحدة ورؤية، كلما اقتربت العلاقات من الاستقرار والتعاون.
ورغم ذلك هناك سيناريوهات في المستقبل لابد ان نحللهاحتي يكتمل مشهد العلاقات
. سيناريو الانفراج:
استقرار سياسي – دمج للقوى المسلحة – حكومة قوية – شراكة استراتيجية مع واشنطن.
. سيناريو الجمود:
انقسامات داخلية – صراعات متجددة – تدخل أمريكي محدود وضغوط بلا دعم حقيقي.
. سيناريو التنافس الدولي:
تراجع أمريكي مقابل حضور روسي أو صيني – علاقة متوترة ومفتوحة على احتمالات كثيرة.
(يبقي) السؤال الاهم في خاتمة هذا المقال ان مستقبل العلاقات الأمريكية السودانية بعد حرب الكرامة مرتبط بقدرة السودان على( استعادة مؤسسات الدولة وبناء قيادة وطنية قوية) .
وأمريكا ستظل لاعباً مؤثراً، ولكن مفتاح العلاقة في يد السودانيين أنفسهم.
شارك المقال
