
الناجي حسن صالح
رئيس التحرير
• الحكومة الجديدة ليست سوى صورة طبق الأصل عن سابقاتها. اللعبة القديمة نفسها تُلعب من جديد، بالقواعد البالية نفسها. المحاصصة الحزبية والجهوية تقتل أي أمل في التغيير، وتحوّل العمل السياسي إلى سوق للصفقات والمقايضات. الكفاءة؟ الموهبة؟ الخبرة؟ مصطلحات غريبة في معجم القوى السياسية السودانية.
حركات الكفاح المسلح تحتكر 25% من المناصب الوزارية بموجب اتفاق جوبا، وكأنّ السلطة غنيمة حرب وليست أمانة وطنية. جبريل إبراهيم يمسك بوزارة المالية بمعصميه، ليس لأنه خبير اقتصادي فريد ووحيد، ولكن لأنه زعيم حركة. هذه هي المعادلة الفاسدة.. منصبك يتحدد بقوة سلاح لا بكفاءتك المهنية.
الجهوية هي الوجه الآخر للمأساة.. كل ولاية تطالب بحصتها من الكعكة الوزارية، وكأننا في مزاد علني لتوزيع المناصب. النتيجة؟ وزراء يعيّنون لأنهم ينتمون إلى منطقة جغرافية معيّنة، أو يمتلكون السلاح، وليس لأنهم مؤهلون لقيادة وزاراتهم. السودان يدفع ثمن هذه المحاصصة كل يوم.. إدارات فاشلة، وخدمات منهارة، وفساد مستشرٍ.
الغريب أنّ هذه التجربة البالية تتكرر مراراً دون أن نتعلم الدرس. حكومة المحاصصة لا تبني دولة، بل تكرس الفشل، وتعمّق الأزمة. الكهرباء تنقطع، والمدارس تتحول إلى ملاجئ، والاقتصاد ينهار، بينما القوى السياسية تنشغل بتقسيم المناصب.
الأسوأ أنّ هذه المحاصصة لا تنتج إلا حكومات ضعيفة، غير قادرة على اتخاذ القرارات الصعبة. كل وزير يصبح ممثلاً لجهته أو حزبه أو حركته، لا مسؤولاً أمام الشعب. القرارات تتخذ بناءً على التوازنات السياسية، لا على أساس المصلحة الوطنية.
حتى الشعارات البراقة التي بعثت فينا (الأمل) عن الإصلاح والتغيير تتحول إلى مجرد كلمات جوفاء. رئيس الوزراء يتحدث عن «الأمل»، بينما ممارساته تكرس اليأس. ولا أمل فيها.. السؤال الحقيقي ليس عن عدد مرات الفشل، ولكن عن إصرار النخبة السياسية على تكرار التجربة الفاشلة ذاتها.
إذن لماذا جاء (وزيرنا) المبجل؟ أفهذه هي مهمته المقدسة؟! أن يكون حارساً للفشل؟ ساعياً لإعادة إنتاج الوجوه البائسة نفسها، والممارسات العقيمة بعينها؟
هذا انتحار وطني مُعلَن. كل حكومة جديدة تأتي كي تدفن السودان تحت أنقاض صفقاتها القذرة. المناصب تُباع وتُشترى في سوق النخاسة السياسية، حيث الولاءات تُقدَّم على الوطن، والمصالح الضيقة تُغَلَّف بشعارات زائفة عن «الشراكة الوطنية».
ما يحدث يتجاوز الفساد الإداري إلى جريمة منظمة ضد مستقبل أجيال. كيف نفسّر إصرارهم على تعطيل الدولة بينما المستشفيات تتحول إلى مقابر للفقراء، والجامعات تنتج جيلاً من العاطلين، والبنية التحتية تنهار كبيت عنكبوت.
كل هذا يحدث لأنّ (التوزير) غنيمة سياسية، وجزء من صفقة مشبوهة. إنهم لا يبنون دولة، بل يقتسمون جثة وطن يحتضر.
الغريب أن هذه الحكومات لا تفشل فحسب، بل تنجح نجاحاً باهراً في تأبيد الأزمات، وتعميق الانقسامات، وتحويل الدولة إلى ساحة للتجارب، ثم إنتاج جيل كامل من اليائسين.
إنها المعادلة الشيطانية، فكلما زادت المحاصصة، زادت المأساة… وكلما اشتدت الأزمة، زاد الابتزاز!
السياسيون هنا لا يختلفون عن عصابات تقاسم الغنائم. الفارق الوحيد أنهم يسرقون المستقبل، ويتاجرون بآلام الناس، ويستثمرون في تخلّف الوطن، فيحوّلون المناصب إلى مزارع خاصة، ويبيعون أوهام الإصلاح بينما يدفنون البلاد.
الحل ليس إصلاح النظام، بل تفجيره من جذوره. السودان يحتاج إلى ثورة إدارية تقتلع نظام المحاصصة، ودستور يجرّم توريث المناصب، ومحاكمات علنية لكل تجار المناصب. نظام جدارة يمنح الفرص للكفاءات الحقيقية.
الخيارات واضحة.. إما أن ندفن رؤوسنا، وإلا ستظل المحاصصة تدفن أحلام السودانيين جيلاً بعد جيل. الكارثة أنهم يعرفون هذا جيداً، لكنهم يختارون الخيانة الوطنية كل يوم من جديد.
ما أتعسنا.. بأفعال الخائبين.
وما أفظع أن نكون وقوداً لأوهامهم.. لقد باعوك يا وطني، فهل من منقذٍ يقطع هذه الأيادي التي تمزّق (الأمل) كل يوم؟!
شارك المقال