(كركون).. مزامير الخرطوم وجغرافيا الدم

231
الناجي صالح

الناجي حسن صالح

رئيس التحرير

• كان السودان يومها جسداً واحداً، ينزف تحت شمس واحدة، قبل أن يأتي السياسيون بمقصاتهم. هناك، بين رمال الخرطوم التي تلمع كالنحاس تحت الضحى، عرفته طفلاً يافعاً.. كركون مكواج كرك. كان وجهه مثل نهر النيل في المساء.. هادئاً، عميقاً، يحمل أسراراً لا يعرفها إلا الله.
رافقني سنوات طويلة، كظلٍّ وفيٍّ لا يخذل. كان سودانياً خالصاً، مثل ثمرة الدوم المُرَّة والحلوة في آن. لم يهرب عندما انقسم البلد إلى شطرين، ولم يبحث عن جنسية تزيّن جوازه. بقي حيث الرصاص يغنّي، وحيث الخبز أصبح حلماً. بقي لأن الأرض لا تُهجر، حتى لو مزّقوها خرائط.
مسيحيٌّ؟ نعم. لكنه كان أكثر إسلاماً من كثيرين يُصلّون ويصومون. كان القرآن يرقص في أخلاقه.. صادقاً كسورة “يوسف”، أميناً كـ”المائدة”، كريماً كـ”الإنسان”. كل شيء فيه كان يشبه الإيمان، إلا الشهادة التي لم ينطقها.. ويا لغبطتي لو تفوه بها. ربما لأن الإيمان عنده لم يكن كلمة تُقال، بل قطعة خبز تكسر حاجة الجائع، ويد تُمد للضعيف.
في العمل، كان كالنخلة التي لا تنتظر مطراً لتثمر. أعطاه الله موهبة غريبة.. أن يحوّل كل مهمة إلى تحفة. كان ينظر إلى العمل كصلاة صامتة.. لا تُقبل إذا تشوّش القلب. حفظ حقوق الناس كما يحفظ الأب أبناءه، دون أن ينتظر شكراً.
عرفته مصادفة وهو طفل يافع، وأخذت بيده. لكنه هو من أمسك بيدي عندما تعثّرت. رد المعروف بأفضل منه، لأن الكرم عنده كان ديناً. لو سألته لماذا لا يترك السودان الشمالي بعد الانفصال، لضحك تلك الضحكة الهادئة وقال: (الرجل لا يغادر بيته عندما يحترق.. يُطفئ النار أولاً، ثم يفكر في أن ثمة حياة يجب تداركها).
اليوم، بينما الحرب تُذري الرماد على كل شيء، يبقى كركون.. مثل شجرة تنبت في وسط القصف. لا تبحث عن ظل، بل تصنعه للآخرين.. لو سألتني من هو السوداني الحقيقي، لأشرت إليه دون تردد. لأن السودان لم يمت ما دام فيه رجال مثله.. أشلاء جسد فلقته الحرب، لكن الروح واحدة.
سمّى أول أولاده على اسمي – “الناجي” – كأنه كان يحفر اسمي في ذاكرة الزمن نفسه. فصار هو “أبو الناجي”، و”ابن الناجي” في آنٍ واحد.. كنا نضحك من هذه اللعبة، وكيف أن الاسم صار حلقة تربطنا كالسلاسل، رغم أن الدم لم يجرِ بيننا.
لكن الحرب لا تعرف النكات.. والناجي الذي لم يُنَجَ!!!
الناجي، ذلك الولد الذي حمل اسم الأمل، نزح إلى القاهرة مع أمه وإخوته، هارباً من ظلال الجنجويد التي تلاحق الأطفال كالغبار. ظننا جميعاً أن القاهرة ستكون ملاذاً.. أن أسوارها العالية كفيلة بحماية اسمه على الأقل. لكن القدر كان يخبئ ضحكته المُرّة… مات الناجي هناك، بين زحام المدينة الذي يختنق به الغرباء، بعيداً عن رمال السودان التي تعرف كيف تحتضن الموتى.
مات وهو يحمل اسم “الناجي”، كسخرية من كل شيء. مات كما يموت الأطفال في زمن الحرب.. بصمت، بعيداً عن أعين الصحف، ودون أن يترك وراءه إلا قلباً مُثقلاً بالـ”لو”. لو بقي في السودان.. لو لم يسافر.. لو..
والآن، كلما سمعت أحداً ينادي “أبو الناجي”، أعرف أن النداء يحمل جرحاً لا يندمل.. لأن بعض الأسماء تصبح مثل القبور المفتوحة.. تُذكرنا بأن النجاة ليست إلا وهماً نتمسك به كي لا نغرق.
فإذا وجدتموه يوماً، لا تتعجبوا إن رأيتم ظله أطول من الآخرين. ولا تندهشوا إذا ما بدا لكم أن الرصاص يتجنبه حين يمر.. فهناك أناس كهؤلاء.. الحرب نفسها تحتار في أمرهم… فتتركهم واقفين كشواهد على زمنٍ كان أكثر إنسانية.

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *