نظرة يسار سارة عبدالمنعم

سارة عبدالمنعم

كاتبة روائية

• أعرف الصباح موعدًا — فجرٌ يريد الخروج من عباءة الليل.

الليل الدامس هو في الأصل لحظات مخاضٍ للذكريات : الحنين، والتمني، والفقد، والاشتياق.

ليلي الطويل الذي لا فرار لي منه، أجده بانتظار فنجان قهوتي، فلستُ بمن يصادم مجيء الليل بالفرار منه، ولستُ بمن ينافق الوقت فيقول : «موعد النوم قد وجب».

الليل يؤرق من يتذمر منه؛ فكان علينا أن نتصافح. أطمئنه بحضور قهوتي أني ساهرة لمؤانسته.

تدندن ذاكرتي البالية بأغنية قديمة؛ أغازل الليل بأغنية «كنوز محبة». هناك، حيثُ (الليل يبقى ليل) .. هذا المقطع الشعري أصدق مقولة لتعريف الليل : أنك وُجدت هائمًا بوجه النجوم التي تسرح في وحدتك. وحتما، إن لم أكن صديقة الليل، لكان عقابي عظيمًا.

منذ أعوامٍ وأنا في غربتي أبحث عن «بنات نعش».. نجماتٍ ثلاثيات كنت أسمّيهنّ بأسماء إخوتي، وأختار النجمة الوسطى كموقعي بين إخوتي.

هذه الليلة بدأت بمزاج متكدّر، وأفكار قلقٍ فنيٍّ، وخوفٍ من السكون. صنعت قهوتي فلم يعجبني طعمها، فتركتها. أضعت ريموت التلفاز منذ الأمس، وحتما لن أقضي الوقت في متابعة قناة واحدة. أظنُّ الفيلم كان مُعادًا، لكني لا أستطيع التنقّل بين القنوات، فأغلقتها.

تذكَّرت أني منذ خمسة أعوامٍ ويزيد، لم أتنقَّل خارج حدود بلاد الغربة، وربما لم أتنقَّل في داخلي الهاربة منه. لعنت أفكارًا مزدوجة : بين الخروج إلى شارع بيتنا الهادئ، وبين المكوث لصمتٍ طويل.

أفكار الضجيج ستصيبني قريبًا بالانهزام والتعب. لا شيء يتعبني أكثر من القلق والأرق.

كان صوت الفجر بعيدًا إلا قليلاً؛ انتظرته كمتصوفٍ يستعدّ حبًا للقاء محبوبٍ عظيم. حدّثت الله وقتها، وقصصت على نفسي حكاياتي، وأعلنت في نفسي أني نذرت هذا اليوم للفرح .. وإذا اضطررت لسرقته، سأفعل.

تذكّرت وجوه أطفالي العشرة : بيتي، وزوجي المجهول الملامح، الممتلئ بي حبًا، المانح لي عطفه وجواره. ابتسمت وضحكت من خيالٍ صار يجعلني مبتسمة، وسريعًا ما تبدّل الشعور : كيف صرت ابنة خيالٍ مُعاش!

بحثت عن أفراحي. وجدتها كثيرة، وأولها مناكفة ليلية بيني وبين أبي؛ هو أيضًا يعشق الليل، وهو أيضًا من يعاتبني على السهر. كلانا يدرك أن النوم ليس لنا في هذا الوقت، لكننا نتشاجر عليه.

رسالة واحدة تكفي : حديث أمسٍ وضحكات، نضال، وثورات، وقمع، وصوت حقٍّ لا يخاف.

أحاديث كثيرة كانت توحي بأن الليل حقًّا صديقي، ومن يحتفى معي سواه؟

نسمات الفجر أكسبت خدي برودة أزهقت سخونة جسدي الدائمة. رنين الهاتف يزعجني، ولا يخفى على المقرِّبين أني وصوت الهاتف على خلافٍ؛ فوضعه الصامت دائمًا. ويمكنني الكتابة بديلًا عن المكالمات، وأصدقائي يعلمون ذلك.

كان ليلي محتفلًا هذه الليلة؛ أسرع الفجر مجيئًا، وتبدّلت حالتي المزاجية. صنعت قهوتي، وأطلقت بخور أعواد الصندل التي تخشى عليها أمي من أصابعي العابثة.

كان صوت ضحكات رفيقي أجمل من أن أضيّعها، وأجمل من أن أسمح لهاتفي أو للشبكة بفصلنا من جديد. ظلَّ صوته يثير شهيَّتي للحياة؛ وحده من يعرفني «ابنة البارحة الجميلة»، ووحده من يبارك نضج أيامي وبسالتي في الغربة واحتمالها.

لم نلتقِ منذ أعوامٍ عديدة، لكن روح الفرح فينا لم تمت. صرت بخيرٍ حين عرفت أنه نجا من الموت. كعادته، كل ما فيه كان غريب التفاصيل : تقسو أقداره فيتجاسر ويهزمها، دون أن تسرق منه الأيام ضحكته الشقية.

تحدَّثنا وضحكنا، وكان بكاؤنا مختلفًا — وهل في البكاء سعادة؟ معه! نعم.

قصصنا القليل من الكثير الذي تواعدنا أن نتسامر به قريبًا. كان كلٌّ منا يريد سؤال الآخر : متى؟ وكيف؟ وهل سنلتقي يومًا؟

وظلّ كلٌّ منا يطمئن الآخر أن تلك البلاد ستعود أجمل، ونعود إليها من جديد.

همست حينها : «إن هزمت البلاد ظلامها وظلالها المتوحشة، سنلتقي».

لا أعلم لماذا رأيت ظلام الليل الدامس أجمل بكثير مقارنة بظلامٍ يخنق بلادي كل يوم.

منذ أن أنجبتني أمي، وبلادي بذات الحال. تذكَّرتُ أني كنت أنام هناك ليلًا لمجرد الفكرة؛ استغفرت من ذنب ليلٍ كنت أهرب منه هناك، ولم يكن الود بيننا مثل الآن قائمًا.

صديقي الذي أحبُّه، ظل كما هو : شجرة أفراحٍ لا تذبل.

انتهى الوقت بيننا؛ لم نتوادع كعادتنا.

منذ أعوامٍ كان قربي معه، وحين أراد الرحيل إلى بلادي، تسلَّل إليها ليلًا. غضبت منه وقتها، لكنه كان مؤمنًا بأنه سيموت قهرًا إن تخلى عن الشوارع. عذرته.

و(النجوم تلمع بعيدًا تسخر من السهران وحيد).

صحوت لنفسي : الفرح لا تمنعه الوحدة، ولا الغربة، ولا المسافات، فنبضه أقوى من أن لا يُسمع.

ولليل وجوه كثيرة، فشكرًا ليلتي هذه.

ربما أثير غيرة لَيَلاتي الباقيات، فتأتي كلٌّ منهن أجمل من أختها.

هكذا اتفقت مع الليل : أن أكتب عن تفاصيله إن صار مثل صديقي .. جميلًا، داعمًا، خفيف الروح، لا ينسى يومًا أني صديقته دائمًا.

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *