• في لحظة تاريخية فارقة، تتجه الأنظار نحو شراكة استراتيجية متجددة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، شراكة تتجاوز المصالح التقليدية لتعيد رسم ملامح نظام إقليمي ودولي جديد. هذا التقارب، الذي يراه كثيرون في أزهى مراحله، يجد قوته في الانسجام العميق بين رؤى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس دونالد ترمب، فكلاهما يحمل مشروعاً تحديثياً طموحاً يسعى لإحداث تحولات تتجاوز حدود بلديهما.
جوهر هذه الشراكة يتعدى الصفقات العسكرية أو التنسيق السياسي. ففي القمة الأخيرة، تم توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي، التي تعكس إدراكاً مشتركاً بأن البلدين شريكان أمنيان أساسيان في مواجهة التهديدات الإقليمية. هذه الاتفاقية، المرشحة للتحول إلى معاهدة دفاعية شاملة، تضيف طبقة من الاستقرار السياسي، وتمنع الانزلاق إلى فوضى تستفيد منها الميليشيات المسلحة، وتزامنت مع موافقة ترمب على تزويد السعودية بمقاتلات F-35، ما يمنح الرياض قدرة نوعية تعزز من قوة ردعها ودورها الأمني.
وتتبنى الرياض نهجاً يقوم على التوازن والتهدئة، إذ حافظت على علاقتها الاستثنائية مع واشنطن، وفي الوقت نفسه عمّقت علاقاتها مع قوى عالمية أخرى، دون أن تحصر مصالحها في اتجاه واحد. هذا المسار تجلى في اتفاق بكين مع إيران، وفي طرح مشروع حل الدولتين، إضافة إلى دعمها للمبادرة الأمريكية لإنهاء الصراع في غزة، في انعكاس لرؤية ترى أن الأمن الإقليمي يتحقق بمزيج من الدبلوماسية والردع وليس عبر صراعات مفتوح.
وفي هذا السياق، لعب الأمير محمد بن سلمان دوراً محورياً في تبصير الإدارة الأمريكية بطبيعة الأزمة السودانية وتعقيداتها. فقد قدم خلال اللقاءات رفيعة المستوى قراءة واضحة لمخاطر تمدد الصراع على أمن البحر الأحمر والمسارات التجارية الدولية، مما نقل الملف السوداني من هامش الاهتمام الأمريكي إلى صدارة الأولويات الأمنية والسياسية. وأسهم هذا الحراك في دفع واشنطن إلى تبني مقاربة شمولية تقوم على دعم العملية السياسية ومنع انتشار الفاعلين غير الدوليين. ومن المتوقع أن تثمر هذه الجهود عن مبادرة دولية أوسع تقودها الرياض، تعيد بناء المؤسسات السودانية، وتدعم الانتقال السياسي بما يمنع انزلاق البلاد نحو فوضى طويلة الأمد، مؤكدة أن الشراكة السعودية- الأمريكية ليست فقط لتشكيل توازنات كبرى، بل لضمان استقرار دول المنطقة.
أما الركيزة الأهم في الرؤية السعودية فهي الاقتصاد. فـ «رؤية 2030» باتت محركاً أساسياً لتحول المملكة إلى قوة اقتصادية صاعدة ضمن مجموعة العشرين، وشريك استثماري مهم للولايات المتحدة، مع توسع كبير في مشاريع الطاقة، ومنها المشروع النووي السلمي. وترى الرياض أن استقرار الإقليم شرط ضروري لنجاح خططها التنموية، ما يفسر اندفاعها نحو منع أي اهتزازات يمكن أن تعطل مسار التحول.
وفي خطوة تعكس عمق الثقة المتبادلة، أعلن ترمب عزمه تصنيف السعودية «حليفاً رئيسياً من خارج الناتو»، وهو تصنيف يمنح امتيازات واسعة في أنظمة التسليح، ويعزز مكانة المملكة كقوة إقليمية محورية.
وهكذا، تستحضر الشراكة الحالية روح قمة «بارجة كوينسي» عام 1945، لكنها تتجه اليوم نحو صياغة توازن عالمي جديد في ظل تنافس الأقطاب. إنها شراكة تمزج الردع بالدبلوماسية، وتحوّل التحديات الإقليمية إلى فرص، بما يضمن استقراراً وازدهاراً يتجاوز الحاضر إلى منتصف القرن وما بعده.