خالد حسن عباس
Picture of بقلم : زين العابدين الحجّاز

بقلم : زين العابدين الحجّاز

• في شهر مايو من العام 1969 أخبرني  أحد الأصدقاء  بأن  هناك اعلانا من القوات المسلحة لاستيعاب طلبة  حربيين  كطيارين  في سلاح الطيران على الطائرة  الروسية المقاتلة  من  طراز ميج – 21  فقدمت  طلبا  مرفقا بالشهادت اللازمة  و سلمته  لمكتب شئون الضباط  في القيادة العامة . بعد فحص الطلب  و مرفقاته  طلب مني  الضابط  المسؤول الحضور للمعاينة  أول الاسبوع  بسلاح  المظلات  في  شمبات .  ذهبت  في الموعد المحدد مع  آخرين  لمقابلة  لجنة  المعاينة  برئاسة  العميد  محمود عبدالرحمن الفكي  مدير شئون الضباط  و عضوية  الرائد  طيار محمد عثمان همرور  من سلاح الطيران  و النقيب سليمان حسن سليمان  من شئون الضباط . جاء  دوري  و دخلت عليهم  ومكثت  معهم  حوالي  نصف  ساعة أمطروني خلالها  بوابل  من  الأسئلة  بنفس  حازم  و صارم  ثم  أخبروني بأن المقابلة  قد  انتهت  و طلبوا  مني المغادرة  و مراجعة  شئون  الضباط في القيادة العامة نهاية الاسبوع  لمعرفة  نتيجة  المعاينة .. خرجت  و في  نهاية  الاسبوع  ذهبت  الى  شئون  الضباط   فأخبروني  بالموافقة على  تعييني  و طلبوا  مني الحضور  بعد  يومين للسلاح  الطبي بأم درمان  للخضوع  الى  فحوصات  طبية . 

ذهبنا الى السلاح الطبي بأم درمان  و أجريت علينا الفحوصات اللازمة  و بموجب  نتيجتها  تمّ استبعاد عدد  منا  . أخبرونا  بأن  فريق  طبي  سوف  يصل  من  الاتحاد السوفيتي  لإجراء  فحوصاته علينا .  انتظرنا  أكثر من  شهر حتى  و صل الفريق  و قام  بالفحوصات الازمة  .  نجحت في  اجتياز  تلك  الفحوصات  و تقلّص عددنا  الى  خمسين  منهم  الملازم عبدالرحمن مبارك  الذي  أصبح  مشرفا على  دفعتنا  و في نفس الوقت متدربا  بالاضافة  الى  ستة  آخرين  من  طلبة  الكلية  الحربية  . ذهبنا  الى  محل  ترزي  الجيش عابدين عوض عند  شارع  الجمهورية بالخرطوم  الذى  جهّز  لنا  البدل  العسكرية  و زوّدنا  بملحقاتها  الى  جانب  قماش  البدلة  المدنية  للسفر . تمّ تحديد يوم المغادرة الى الاتحاد السوفيتي الأول من يناير عام 1970 فعملت توكيلا  لعمي محمد حجّاز سليمان  لصرف راتبي  من القيادة  العامة و تسليمه شهريا الى  والدتي  و اقتطاع  جزء منه لصديقي الطالب الجامعي المحتاج . في عصر يوم المغادرة الى الاتحاد السوفيتي ذهبت الى مطار الخرطوم  و كنت آخر من حضر من الدفعة  فقد  وصلت متاخرا و الجميع و كأنهم  كانوا في انتظاري بما فيهم وزير الدفاع اللواء خالد حسن عباس الذي حضر لوداعنا فبادرني  قائلا : (جايي ليه ما كنت ما تجي !!) . استغلينا بعدها طائرة الكوميت الى القاهرة  و بالنسبة لي فقد كانت تلك أول مرة  في حياتي أركب طائرة .  كان في صحبتنا النقيب مصطفي عبادي فوصلنا القاهرة و قضينا هناك ليلة من ذات الليالي في فندق سميراميس ثم غادرنا الى مطار موسكو في الصباح و تركنا عبادي في القاهرة.وصلنا موسكو في صقيع و جليد و برد قارس كاد أن يسحن عظامنا لولا أن أسعفونا بطواقي و معاطف برد روسية .  في المطار استقبلنا الملحق العسكري اللواء مبارك عثمان رحمة والقى علينا بعض كلمات في صرامة متناهية ختمها بكلمة “ انصراف “ . اقلتنا طائرة عسكرية الى مدينة  “ تاكماك “ بجمهورية  كرغيزيا جنوب الاتحاد السوفيتي وهناك جهّزوا لنا سكنا في داخلية ملحقة بالقاعدة الجوية .  سبقتنا الى هناك مجموعة من السودانيين من فنيي سلاح الطيران و لحقت بنا مجموعة من الطلبة للتدرب على الطائرات المروحية و الملاحة الجوية تم استيعاب عدد منهم بواسطة شئون الضباط ممثلة في مندوبها النقيب سليمان حسن سليمان و ذلك من الجامعات الروسية و الدول الاشتراكية الأخرى و تمّ ارسالهم الى مدينة “ كانت “ المجاورة لنا كذلك كان معنا في نفس القاعدة مجموعة من الطلبة الطياريين من اليمن و السنغال و الجزائر . تواصلت فحوصات اللياقة الصحية وأذكر من ضمنها أن أدخلونا  في غرفة مخصصة في داخلها يتم رفع مستوى ضغط الهواء تارة  و يخفّض تارة أخرى مما عرّض بعضنا الى دوخة أو رعاف .  نتيجة لتلك الفحوصات تم تحويل بعض الطلبة  للملاحة الجوية أو للتدرّب على قيادة الطائرات المروحية المقاتلة بدلا من الطائرات النفاثة المقاتلة التي تحتاج الى لياقة صحية عالية . 

بدأنا الدراسة بتعلم اللغة الروسية في مجموعات منفصلة تحت مدرسات روسيات الى جانب دراسة علوم أخرى مثل الطبوغرافيا و المترولوجيا و الأسلحة النارية تحت مدرسين متخصصين و ذلك بواسطة مترجمين أحدهم أذكر كان اسمه إدريس عمل مترجما لفترة في جنوب السودان وهو لا يقصّر اطلاقا في استخدامه للغتنا الدارجة و أحيانا الشوارعية في ترجمته الفورية  .  في تلك الأشهر شرّفنا اللواء الباقر أحمد  ومعه العميد مصطفى أورتشّي في زيارة سريعة و أيضا قامت بزيارتنا مجموعة من طياري سلاح الطيران من ضمنهم الرائد صبري أرباب وذلك بغرض التنوير.  تم وضع لوحة امام مدخل داخليتنا عليها صور فوتغرافيا للمتوفقين من الطلبة و كنت من ضمنهم . 

انتهينا من تلك الفترة التي امتدت الى ستة أشهر و بعدها تمّ  تحويلنا الى  مدينة  “ جامبول “ بجمهورية  كازاخستان . هناك بدأنا  دراسة علوم الطيران  شملت نظرية  الطيران  و الملاحة الجوية  و الاتصالات  اللاسلكية  و محركات الطائرة  و هيكل الطائرة  ذلك  بالاضافة الى مادة جانبية تحت مسمى التجهيز العام  و تعنى  في غالبها بالسياسات  و النظريات الاشتراكية .  مدرّس مادة الطيران كان يشبه الفنان محمد وردي فاطلقت عليه اسم وردي فسار عليه بين زملائي و معظمهم لا يعرف اسمه الحقيقي حتى الآن . في سبتمبر من العام 1970 الضابط الروسي المناوب وهو مدرّس مادة التجهيز العام جمعنا الى طابور استثنائي وهو يلف  شارة سوداء حول ذراعه وألقى علينا فى كلمات مقتضبات نبأ رحيل الرئيس جمال عبدالناصر وأمرنا بعدها  بالإنصراف ثم انصرف  ودخل في نوبة  من البكاء  والنحيب زادت  قلوبنا حزنا وألما وطفقنا جميعا ننتحب ونتحسّرعلى  فقدنا الجلل . في نوفمبر من نفس العام لحقت بنا مجموعة  صغيرة  من الطلبة  الطيارين  الدفعة 24 للتدرّب على الطائرة  النفاثة المقاتلة .

خلصنا من تلك الفترة في ظرف ستة أشهر و عدنا مرة أخرى الى مدينة تاكماك حيث القاعدة العسكرية و بها المطار و ذلك  لبدء التدريب العملي على  قيادة الطائرات النفاثة  من طراز إل – 29  .  تواصلت الفحوصات الطبية  وبموجبها  تمّ  استبعاد عدد  منا من  ضمنهم الملازم عبدالرحمن مبارك و حلّ  محله النقيب حسّان عبد الرحمن  مشرفا على الدفعة و الذي  أصبح لاحقا  وزيرا  للدفاع .

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *