بابكر صديق… صانع الجمال بين نقيضين

39
يوسف عبدالرضي2

يوسف عبدالرضي

شاعر وكاتب صحفي

• في زمن تزداد فيه الضوضاء ويختلط فيه الصخب بالاضطراب، يصبح الجمال ضرورة إنسانية لا ترفًا، ونافذة نتنفس بها ما تبقى من ضوء في عالم امتلأ بالظلال. من هذا المعنى انطلقت رحلتي لزيارة معرض الفنان السوداني بابكر صديق الذي حمل عنوان «الأبيض والأسود»، وهو عنوان لا يكشف فقط طبيعة الأعمال المعروضة، بل يختصر أيضًا فلسفة فنية وإنسانية تتجاوز الألوان إلى الحياة ذاتها، حيث تتجابه النقيضات وتتكامل.

جاءت زيارتي تلبية لدعوة شخصية من الفنان، وكانت فرصة لأستعيد ذاكرة طويلة معه تمتد عبر عقود، منذ ظهوره في شاشة التلفزيون السوداني وبرنامجه الشهير «أصوات وأنامل»، ذلك البرنامج الذي قدّم أجيالًا من المواهب الفنية في الغناء والرسم، وصقل ذائقة جمهور يتلمّس خطواته في عالم الفن. ثم واصل مسيرته عبر برنامج «نجوم الغد»، الذي أصبح لاحقًا مصنعًا حقيقيًا للنجوم، ممن ملؤوا الساحة الفنية السودانية وأعادوا للأغنية نضارتها في وقت كانت فيه الحاجة ماسّة للأصوات الجديدة.

التسامح… اسم القاعة ومعنى الرسالة

اختير للمعرض قاعة تحمل اسم «التسامح» في حي الدقي بالقاهرة. ولست أعلم إن كان هذا الاختيار مقصودًا أم مصادفة جميلة، لكنه بدا متّسقًا إلى حد كبير مع طبيعة تجربة بابكر صديق ومع مضمون أعماله. فالقاعة نفسها تشي بالهدوء والرُقيّ، وتبدو كمساحة محايدة تسمح للأبيض والأسود بأن يتجاورا دون صراع، تمامًا كما يتعايش المتناقضان داخل لوحات الفنان.

مجرد الدخول إلى القاعة يمنحك ذلك الشعور الطفيف بالسكينة، كأنك تتحسس طريقك إلى عالم يذكّرك بما كان عليه السودان قبل أن تعصف به رياح الحرب والانقسام. أما اللوحات المعلقة على الجدران، فقد جاءت بأناقة بصرية تعكس نضج فنان تمرّس طويلًا على قراءة الوجوه وتسجيل اللحظات وإعادة صياغة الذاكرة الجمعية.

لوحات تتحدث… ومشاهد تستعيد البلاد

في هذا المعرض، لم يكن الأبيض والأسود مجرد اختيار لوني، بل كان وسيلة تعبير تجبرك على التركيز في الخطوط والظلال والتقاطعات. فالألوان تختفي لكي يظهر الجوهر، وتغيب الزخارف لكي يتقدم المعنى. ورغم أنني لست ناقدًا تشكيليًا متخصصًا، فإن انطباعي كمشاهد كان واضحًا: هذه لوحات تتحدث.

ثمة شيء خاص في أعمال بابكر صديق يجعلها متصلة بالوجدان السوداني، حتى لو لم تقل حرفًا واحدًا. هو قادر على تحويل تدرجات الرمادي إلى لغة، والخطوط إلى حكايات، والفراغات إلى احتماليات مفتوحة. ربما لأنها مستمدة من أرض تعرف جيدًا معنى التناقض: بياض النيل وزرقة سمائه مقابل سواد الليالي على الضفاف، ضحكة الفرح في الأعراس مقابل صمت الحزن في أيام الفقد.

حديث على الهامش… والفن في مواجهة الحرب

على هامش المعرض، أُتيح لي أن أتحدث قليلًا مع الفنان بابكر صديق، وكان الحديث أشبه باستراحة قصيرة على رصيف من الذكريات والهموم المشتركة. كان هَمُّه الأكبر غياب الجمال في زمن الحرب، ذلك الزمن الذي «فرض نفسه على كل شيء»، كما قال. الحرب لا تقتل البشر فقط، بل تقتل حساسية الروح، وتطفئ تلك الشرارة الصغيرة التي نحتاجها لنستمر.

تطرّق الحوار بيننا وبين الصديق الصادق سمل إلى ما اندثر من قيم التسامح والمودة بسبب الحرب، وإلى ضرورة استعادتها قبل أن نفقد ما تبقى من خيوط تجمع السودانيين ببعضهم. سرد لنا الصادق  مثالين مؤثرين، يجسّدان ما يمكن أن يصنعه التسامح حين يكون الناس أكبر من خلافاتهم.

المثال الأول كان حدثًا دار بين والده وشاب من الدينكا، يروي كيف يمكن لكلمة طيبة أن تُعيد بناء جسر هدمته السياسة. أما المثال الثاني فكان أكثر إثارة، إذ تناول خلافًا وقع بين النوبة والبني عامر في مدينة كسلا، وهو خلاف كان يمكن أن يتسع لولا تدخل وفد من الفنانين ولاعبي كرة القدم. لم يحمل هؤلاء أسلحة ولا بيانات سياسية، بل حملوا فقط نيّات طيبة، ورغبة صادقة في تهدئة النفوس، فكان الصلح… وكانت الحياة.

هذا النوع من القصص يجعلنا ندرك أن الفنان والمبدع، بطبيعته، يميل لأن يكون جسرًا لا خندقًا.

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *