الزَّمَنُ والرِّحْلَةُ .. تَأمُّلٌ بَانُورَامِيٌّ فِي شِعْرِيَّةِ هَاشِمْ صِدِّيق
Admin 29 نوفمبر، 2025 9
عادل سعد يوسف - الخرطوم
(الجُزْءُ الثاني) (2/3)
• الوَطَنُ جُذُورُ الكِتَابَةِ المُوجِعَةِ
أغْظَمْ مِنَ الوَطَنْ الوَطَنْ
وأغْلَى الكُنُوزْ السُتْرَةْ
لَوْ(حَقَّ الكَفَنْ)
وأصْدَقْ مِنَ الفَرَحْ الألَمْ.
الشِّعرُ السُّودَانِيُّ مِنْذُ نَشْأتِهِ نَتَاجُ ظًرُوفٍ تَارِيخيَّةٍ واجْتِمَاعِيَّةٍ، شَكَّلَ أهَمَّ الحُقُولَ الاجْتِمَاعِيَّةِ، وَيَخْضَعُ فِي إنْتَاجِهِ وَتَلَقِّيهِ إلَى عَمَلِيَّةٍ مُرَكَّبَةٍ مِنَ التَّوَاصُلِيَّةِ وَالتَّفَاعُلِيَّةِ، لِذَلِكَ يُعْتَبَرُ مِنْ مَنْظُور بِنْيَوِي ووظَيفِي (مَاكْرُو- سُوسْيُولُوجِي)، فَلَهُ ارْتِبَاطٌ كَبِيرٌ بِالهُمُومِ العَامَّةِ وَالجَمْعِيَّةِ، فَهَاشِم صِدِّيقْ حَمَلَ عَبْرَ شِعْرِيتِهِ الطَّوِيلَةِ عِبءَ الكَشْفِ عَنْ الإحالاتِ المُشْتَرَكَةِ للذَّاتِ الجَمَاعِيَّةِ بِتَعْبِيرِ بِيِيرْ بُوْردِيُو. فَاسْتَطَاعَ القَبْضَ عَلَى جَوْهَرَةِ المُعَادَلَةِ بَيْنَ الهَمِّ الذَّاتِي وَالمَوْضُوعِيِّ، بَيْنَ الخَاصِّ وَالعَامِّ، اسْتَطَاعَ أنْ يُصْبِحَ مِرْآةً للوَطَنِ وَلِحَالاتِ تَشَظِّيهِ المُزْمِنَةِ. وَلا تَجِدُ نَصًّا فِي مُدَوَّنَتِهِ الشِّعْرِيَّةِ يخلو من خطاب مقاوم أو ثائر.
أشُوفَكْ بِالعَذَابْ مَصْقُولْ/ و بِي لهَبَ الجُرُوحْ مَغْسُولُ/ و لِسَّعْ لا سَكَتْ عَرَقَكْ/ وَ لا فَتَّرْ شَقاَكَا قَدَمْ/ سَوَاعْدَكْ ضَارْبَةْ فُوقَ الرِّيحِ/ وَ جَرَسَكْ دِيمَةْ صُوتُو فَسِيحْ/ وَ نَجْمَكْ فِي الأمَاسِي عَلَمْ
سَألْتَكْ يَا وَطَنْ ارْتَاحْ/ فَدِيتَكْ يَا وَطَنْ أسْلَمْ/ مِتِينْ تَلْمَسْ صَوَابْعَك قِيفْ؟/ مِتِينْ تَعْرِفْ خَلاصَكْ كِيفْ؟/ مِتِينْ تَفْرَحْ؟/ مِتِينْ تِنْجَمْ؟.
يَقُولُ هَاشِمْ صِدِّيق فِي مُقَدِّمَةِ دَيْوَانِهَ (الزَّمَنْ والرِّحْلَة):
(لَقَدْ فَقَدْتُ الإحْسَاسَ بِالاتِّجَاهَاتِ الحَادَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ وَالَّتِي تَجْعَلُ العَالَمَ مُرَبَّعًا يَمْشِي عَلى أرْبَعَةِ اْرْجُلٍ، أوْ يُحَلِّقُ بَأرْبَعَةِ أجْنِحَةٍ، أصْبَحَ العَالَمُ بِالنِّسْبَةِ لِي دَائِرَةً مُحْكَمَةً تَعْتَلِي صَهْوَةِ الطُّوفَانِ.. أسْرَجَتْنِي جَذْوَةُ المَعَارِكِ وَالكِتَابَةِ وَالقِرَاءَةِ، وَنَفَاذُ بَصِيرَةِ العَذَابِ، وَاحْبَاطَاتِ العَامِّ وَالخَاصِ …الخ، فَوَلِجْتُ إلَى مِصْلاةِ التَّأمُّلِ. وَأصْبَحَتْ لُعْبَتِي العَبَثِيَّةِ المُفَضَّلَةِ – بِالمَفْهُومِ الفِكْرِيِّ – هِيَ مُرَاوَغَةُ مَا يُوَاجِهُنِي مِنْ أقْنِعَةٍ وَنَزْعِهَا بَغْتَةً أوْ خِلْسَةً.. وَأنَا أحِبُّ البُسَطَاءَ وَأعْمَلُ حِسَابِي مِنْ كِبَارِ المَسْؤوِلينَ، فَالعَلاقَةُ مَعَهُمْ – زَيْ التُّهْمَةِ- تَجِدُهُمْ مُهْتَمِّينَ بِنَاحِيَةِ الاسْتِقْطَابِ «يَعْصُرُوا لِيكْ حَاجَة»، وَأنَا أمُوتُ وَلا أفْعَلُ هَذِه الأفَاعِيلْ «أنَا دُغْرِي وَشَرِيف».
يَضَعُنَا هَاشِمْ صِدِّيقْ مِنْ خِلالِ اسْتِرَاتِيجِيَّةِ الخِطَابِ المُقَدِّمَاتِي للدَّيْوَانْ أمَامَ مُعْضِلاتٍ فَلْسَفِيَّةٍ وَنَقْدِيَّةٍ:
أ- إشْكَالِيَّةُ الشَّاعِرِ وَحَسَاسِيَّتِه تِجَاهَ مَشْرُوعِهِ الشِّعْرِيِّ الإبْدَاعِيِّ والمُرَاهَنَةِ عَلَى اسْتِرَاتِيجِيَّاتِ إنْجَازِهِ.
ب- إشْكَالِيَّةُ التَّلَقِّي مَقْرُونَةً بِمَفْهُومِ التَّدَاخُلُ بَيْنَ المَهَيْمِنَاتِ الأيْدُيُولُوجِيَّةِ وَالإبِسْتِمُولُوجِيَّةِ وَالجَمَالِيَّةِ الَّتِي تَطْرَحُ قَضِيَّةَ الالْتِزَامِ الشِّعْرِيِّ.
إنَّ التَّمَرْكُزَ اليَقِظَ وَالحَادَّ عِنْدَ هَاشِمْ صِدِّقْ أكْسَبَهُ خَاصِيَّةَ التَّحْدِّي والثَّوْرَةِ، لِدَرَجَةٍ أصْبَحَ الشِّعْرُ عِنْدَهُ « فِعْلَ حَيَاةٍ وَإيمَانٍ، وَفِيهِ قَشْعَرِيرَةٌ غِنَائِيَّةٌ مُشْبَّعَةٌ بِلَهَبِ التَّمَرُّدِ عَلى الوَاقِعِ وَالتَّطَلُّعِ إلى وَاقِعٍ أكْثَرِ سُمُوًّا وأبْهَى»()
تَمْيَّزَتْ تَجْرِبَةُ هَاشِمْ صدِّيقْ الشِّعْرِيَّةِ بِألَقٍ إبْدَاعِيٍّ نَادِرٍ، وَحُدُوسٍ شِعْرِيَّةٍ تَتَرَحَّلُ فِي أوْدِيَةِ الذَّاتِ والوُجُودِ، تَجْرِبَةٌ شِعْرِيَّةٌ تَنْبَثِقُ مِنْ الظِّلالِ الحَمِيمَةِ، تُقَطِّرُ العَالَمَ بِلِغَةٍ خَاصَّةٍ، مَلِيئَةٍ بِالهُواجِسِ والمُكَابَدَاتِ وآلامِ الكِتَابَةِ، فَهُوَ لا يَتَوَانَى فِي الحفْرِ فِي اللغَةِ والأشْيَاءِ والكَائِنَاتٍ، مُتَأمِّلًا فِي أغْوَارِ المَوْجُودَاتِ والنَّاسِ، يَسْبِرُ مَتَاهَاتِ الجَمَالِ وَالنِّضَالِ الإنْسَانِيِّ، يَخفِرُ مُتَنَاقِضَاتِ الكَوْنِ وَعَبَثِيَّةِ الإنْسَانِ، يُصَارِعُ حَيْرَةِ الوَطَنِ والْتِبَاسَاتِهِ التَّارِيخِيَّةِ.
آخِرْ نَفَسْ كَمَّلْتُو مِنْ كُلَّ السِّجَارْ/فِي الانْتِظَارْ/وَفَتَرْتَ مِنْ خَدَرَ السُّكُونْ/ومِنْ ذبُولْ لُونَ الجِدَارْ.
انْتَظَرْتِكْ/دَايِرْ ألاقِيكِ وَأعَرْفِكْ/شَانْ أحِسِّكْ/وَأكْتَرْ .. أكْتَرْ مُوتْ أحِبِّكْ
لَوْ مَا أطُوفْ بِيكِ الشَّوَارِعْ وَالمقَاهِي/ وَأمْشِي بِيكْ وسْطَ الحَوَارِي/ لَوْ مَا أرِيدْ نَضْمِكْ حُكَاكْ/لَومَا أجَادْلِكْ أوْ أخَاصْمِكْ/ ومِنْ جَدِيدْ أطْلُبْ رِضَاكْ/ لَوْ مَا أقاسْمِكْ/ هَم مَلايِينْ الحَيَارَى/وَأسْألِكْ كِيفَ الدَبَارَه/ أيهِ يَكُونْ مَعْنَى العِِبارَه/لَوْ قُلتَ لِيكْ: بَعْرِفِكْ أوْ بَحِسِّكْ/أوْ بَحِبِّكْ.
انْتَظَرْتِكْ/ انْتَظَرْتِكْ/رِنِّي جَرَسَ الصَّحْوَةْ/ يَنْفَجِرَ السُّكُونْ/تَلْقِينِي صَابِرْ ودَايِرْ أبْدَأ/ عَايْنِي وَاقْرِي/كُلْ حِوَارْ السَّاعَةْ ظَاهِرْ فِي العِيُونْ.
يَتَمَرْكَزُ الخِطَابُ الشِّعْرِيُّ لَدَى هَاشْمْ صِدِّيقْ فِي التَّجَلِّيَاتِ وَحَرَكِيَّةِ التَّمَاهِي وَمُعَانَقَةِ الوُجُودِ وَالتَّغَنِّي بِالحُرِّيَةِ، فَاللغُةُ تَتَحَوُّلِ إلَى وَطَنٍ اسْتِعَارِيٍّ بَدِيلٍ، فَهَاشِمْ جَعْلَ الحُرِّيَّةَ سَهْمًا لِقْوْسِهُ وحَجَرًا لِمقْلاعِهِ، كَمَا تُشِيرُ قَصِيدَةُ بَابْلُو نِيرودَا ( كُنْتُ وَحِيدًا مِثْلَ نَفَقٍ/ تَجَنَّبَتْنِي العَصَافِيرُ/ اخْتَرَقَنِي اللَّيْلُ باجْتِياحِهِ الطَّاغِي/ وَكَيْ أنْجُوَ بِنَفْسِي صُغْتُ مِنْكِ سِلاحًا/ سَهْمًا لِقَوْسِي، حَجرًا لِمِقْلاعِي).

(2/4)
الانْزِيَاحَاتُ الجَمَالِيَّةُ وَالتَّوَهُّجُ التَّأمُّلِي
ارْتَبَطَ الانْزِيَاحُ بِالدِّرَاسَةِ الأُسْلُوبِيَّةِ؛ حَيْثُ عَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ – وَمِنْهُمْ فَالِيرِي بِأنَّهُ انْحِرَافُ عَنْ قَاعِدَةٍ، وَانْزِيَاحٌ عَنْ قَانُونٍ أوْ عُرْفٌ لُغَوِيٌّ، وَخُرُوجٌ عَنْ المَأْلُوفِ، وَخَرْقٌ لِلسَّائِدِ، إلَّا أنَّ الَّذِي يَجِبُ الاتِّفَاقُ عَلَيْهِ هُوَ أنَّ الانْزِيَاحَ يِتَطَلَّبُ أنْ تَكُونَ لَهُ دَلالَةٌ، وَأنْ يُحَقِّقُ إضَافَةً جَمَالِيَّةً لِلُّغَةِ، وَإلَّا فَهُو مُجَرَّدُ شُذُوذٌ لُغَوِيٌّ لا يُقَدِّمُ وَلا يُؤخِّرُ.
يَظْهَرُ الانْزِيَاحُ فِي اللُّغَةِ فِي شَكْلَيْنِ اثْنَيْنِ تَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا مَجْمُوعَةٌ مِنَ الأشْكَالِ وَالتَّجَلِيَّاتِ الانْزِيَاحِيَّةِ فِي اللُّغَةِ:
الأوَّلُ: هُوَ الانْزِيَاحُ الدَّلالِيُّ الَّذِي يَرْتَبِطُ بِالصُّوَرِ البِلاغِيَّةِ؛ كَالاسْتِعَارَةِ وَالتَّشْبِيهِ وَالمَجَازِ؛ وَلِذَلكَ يُمْكِنُ تَسْمِيتُه بِالانْزِيَاحِ التَّصْوِيرِيِّ.
الثَّانِي: هُوَ الانْزِيَاحُ التَّرْكِيبيُّ الَّذِي يَرْتَبِطُ بِالتَّرْكِيبِ وَالنَّحْوِ وَالمِعْجَمِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهمَا.
شيَّدَ هَاشمْ صِدِّيقْ خَطَابَهُ الشِّعْرِيَّ عَلَى الانْزِيَاحِ الدَّلالِيِّ أوْ التَّصْوِيرِيِّ أيْ خَرْقَ النِّظَامِ اللُّغَوِيِّ وَالأمْثِلَةُ عَلى ذَلكَ لا يَتَّسعُ لهَا المَجَالُ وَلَكِنَّنَا لِتَوْضِيحِ هَذِه الفِكْرِةِ سَنَخْتَارُ بَعْضًا مِنْهَا.
فِي ظَنِّي تَكْمُنُ القِيمَةُ المَضَافَةُ فِي مُقْتَرَحَاتِ هَاشِمْ صِدِّيقْ الجَمَالِيَّةِ عَلَى امْتِدَادِ تَجْرِبَتِهِ الشِّعْرِيَّةِ الَّتِي تُؤَسِّسُ الشِّعْرِيَّ عَلَى القُدْرَةِ التَّأمُّلِيَّةِ لَدَيْهِ تَأتِي مِنْ نَاحِيَتَيْنِ:
أ- تَأمُّلٌ يَخْتَصُّ بِالأفكار الكُبْرَى (الحَيَاةُ/ المُوْتُ- الألَمُ/ السَّعَادَةُ – العَدْلُ/ الظُّلْمُ – الحُرِّيَةُ/ الكَبْتُ …الخ)، وَتَبْدُو مُعْلَنَةً فِي النَّصِّ الشِّعْرِيِّ.
ب- تَأمُّلُ الأشْيَاءَ الألِيفَةِ (الشَّارِعَ/ البَيْتِ، اليَوْمِيِّ المَعَاشِ… إلخ).
كُلَّ البَنَاتْ …أمُونَهْ يَا خَرْطُومْ
مَعَايْ سَاعْةَ أفْتَحَ الدُّكَانْ / مَعَايْ سَاعْةَ الدَّرِسْ بِاللَّيلْ/ مَعَايْ فِي البَصْ عَلَي أمْ دُرْمَانْ/ وفِي الكُبْرِي الكَبِيرْ فِي اللَّيلِ/ أعَايِنْ فِي البَحَرْ مَهْمُومْ ألاقِي وِجِيهَا شَاقِي النِّيلْ/ وفِي سَاعْةَ التَّعَبْ وَالخُووفْ/ تَشِيلْ خَطَوَاتِي وَأمْشِي عَدِيلْ.
دَحِينْ خَاتِي ؟؟ أكَانْ يَايُمَّهْ/ صِبْحَِتْ نَفَسِي سَاعْةَ الكَتْمَةْ/ مِنْ ضِيقْ الزَّمَنْ وَالنَّاسْ/ وَألْقَي دَمِّي يَفُورْ تَمِدْ إيدِينَا تَمْسَحْ فِي العَصَبْ وَالرَّاسْ/ أمَانَة ْكَلامَا كَانْ رَفْرَفْ/ وَكِتْ سَاعْةَ الدَّرِسْ يَا خُوي/ يَطِيرْ قَلَمِي ويَزَغْرِدْ سِنِّو فِي الكَرَّاسْ .
نُلاحِظُ أنَّ خَاصِيَّةَ التَّرْمِيزَ الشِّعْرِيَّ دَفَعْتْ بِالشَّاعِرِ إلى الاسْتِفَادَةِ مِنْ كُلِّ مَا يُحِيطُ بِهِ مِنْ مُفْرَدَاتِ الحَيَاةِ، حَيْث تَحَوَّلَتِ النِّسْوَةُ جَمِيعُهُنَّ إلَى أنْثَى وَاحِدَة، وَتحَوَّلَتْ سَرْمَدِيَّةُ الزَّمَنٍ إلَى لحْظَةٍ وَاحِدَةٍ لَكِنَّهَا حُبْلَى بِالتَّفَاصِيلِ.حُبْلَى بِتَدَاوُلِيَّةِ اللُّغَةِ وَفْقَ نِظَامِهَا التَّوَاصُلِيِّ فِي مُحِيطِهَا الاجْتِمَاعِيِّ.
ج- امْتِزَاجُ التأملين السابقين الواقعي والوجودي معًا.
وَفِيهِ تَحْمِلُ القَصِيدَةُ شَفَافِيةَ الكَائِنِ وَتَكْشِفُ عَنْ تَجِلِّيَاتِهِ الوُجُودِيَّةِ، فَالقَصِيدَةُ قَادِرَةٌ عِنْدَهُ عَلَى مُحَاوَرَةِ العَالَمِ وَإعَادِةِ بِنَائِهِ، فَلا غَرَابَةَ أنْ تَغْدُو الضَّحْكَةُ فِي حَالِ تَأمُّلِهَا ثِيمَةً مُنْتِجَةً لِعَدَدٍ لا نِهَائِيِّ مِنْ الخِيَارَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالوَطِنِيَّةِ، وَهَذَا مَا يعْطِي الصُّورَةَ البّصَرِيَّةَ حُضُورَهَا ، عَاكِسَةً نَظْرَةِ الشَّاعِرِ الحَادَّةِ وَالمُلاحِظَةِ لِمَّا يُحِيطُ بِهِ، وَغَالِبًا مَا تَكُونُ مُرَكَّبَةً .
ضِحْكِكْ شَرَحْ قَلْبَ السَّما/ لَوَّنْ سِحَابْ كُلَّ الفَضَا/ هَزَّ وَتَرَ الأزْمِنَهْ/ رَطـَّبَ الصَّحْرَا/ ولمِسْ عَصَبَ الجَبَلْ/ وَدَّرْ الحُزْنَ المِهَاجِرْ فِي المُقَلْ/ صَحَّا أسْيَافَ الأغَانِي/ وبَارَكَ النِّيلْ وَالسَّهَلْ./ ضِحْكِكْ وَصًولْ حِزْمَة رَسَايِلْ مِنْ أهَلْ.
اضْحَكِي../ يَغْسِلَ النَّغَمَ المَآسِي/ تَهْدَأ أمْوَاجَ القَوَاسِي/ تَلْمَسْ النَّاسَ المَحَنَّةْ/ ويَرْجَعَ الحُبْ لِي زَمَنَّا/ وتَحْضِنَ السُّفُنَ المَرَاسِي/ اضْحَكِي/ تَصْحَا الكَهَارِبْ فِي الشَّوَارِعْ/ يِنْكَسِرْ سُورَ المَوَانِعْ/ تَبْدَأ أعْرَاسَ المزَارِعْ/ وَالمَصَانِعْ/ وتَوْصَلَ النَّاسَ الرَّوَائِعْ/ يَا رَوَائِعْ/ اضْحَكِي ).
فَكَيْف لِهَذِا الضحكِ أنْ يَشْرَحْ قَلْبَ السَّمَا/ يُنَوِّرُ سَحَابَ كُلَّ الفَضَاء/ يَهِزُّ وَتَرَ الأزْمِنَة/ يُلَطِّف الصَّحْرَا/ وَيلِمِسْ عَصَبَ الجَبَلِ. لا يَكْتَفِي هَاشِمْ بِهَذَا كُلِّهِ، بَلْ يَسْتَثْمِرُ الضَّحْكَ لِيَقُولَ لَنَا : إنَّ هَذِهُ الضَّحْكَةُ بِإمْكَانِهَا تَغْيِيرَ العَالَمِ كُلِيَّةً (تَضْحَكْ الدُّنْيَا – تَصْحَى الكَهَارِبْ فِي الشَّوَارِعْ – يِنْكَسِر سُورَ المَوَانِعْ – تبدأ أعراس المزارع/ والمصانع- وتَوْصَلَ النَّاسْ الرَّوَائِعْ ). يَاللهً؛ كَيْفَ تَغْدُو هَذِهِ الضَّحْكَةُ مَجَرَّةً كُوْنِيَّةً بِهَا آلافُ المَرَايَا العَاكِسَةِ.
مَا يَجِبُ النَّظَرُ إلَيْهِ هِيَ قُدْرَةُ الشَّاعِرِ عَلى اسْتِدْعَاءِ الفِكْرَةِ مِنْ بُحَيْرَاتِ المُخَيِّلَةِ الشِّعْرِيَّةِ وَغَرْسَهَا فِي تُرْبَةِ التَّجَاوُزِ، لِذَلكَ؛ لا تُكُونُ الفِكْرَةُ مُنْفَصِلَةً بَلْ مُجَسَّدَةً فِي ثَمَرَةِ المَجَازِ وَشِعْرِيَّتِهِ الانْزِيَاحِيَّةِ المُتَوَهِّجَةِ رَمْزِيًّا. فَالانْتِقاَلُ بِالألْفَاظِ فِي النَّصِّ مِنْ سِيَاقِهَا المَألُوفِ إلَى سِيَاقْ اسْتِخْدَامٍ جَدِيدٍ غَيرِ مَألُوفٍ، هَذَا مَا يُثِيرُ التَّسَاؤُلَ، وَيُلْفِتُ النَّظَرَ وَالانْتِبَاهِ، وَيَخْلِقُ الدَّهْشَةَ.
مِثْلَمَا نَجِدُ المُتْعَةَ فِي صُورٍ حَيَاتِيَّةِ مَألُوفَةٍ، يُمْتِعُنَا هَاشِمْ صِدِّيقْ بِصُورٍ غَيْرَ مَألُوفَةٍ، إنَّهَا صُورُ الرُّؤْيَا الَّتِي تَتَوَلَّدُ مِنْ المَجَازَاتِ المُرَكَّبَةِ. هَذِهِ الصُّورةُ الانْزِيَاحِيَّةُ تَحْتَاجُ لمُتَلَقٍ نَمُوذَجِيٍّ، قَادِرٍ عَلَى تَفْكِيكِ شَفْرَةِ النَّصِّ وَالنَّفَاذِ إلَى كَيْفِيَّاتِ بِنَاءِ الهَرَمِ الجَمَالِيِّ، قَادِرٍ عَلَى الاسْتِيلاءِ «بِحَسَاسِيَّةٍ عَلَى حَرَكَاتِ النَّصِّ وَيُبَيُّنُ عَنْ وَظَائِفِ أسْلُوبِهِ» () كَاشِفًا عَنِ الجَمَالِ الَّذِي يَسْمُو عَلَى الرَّتَابَةِ وَتَوْهِينِ اللُّغَةِ الشِّعْرِيَّةِ فِي الاجْتِرَارِ وَالاسْتِنْسَاخِ.
حَاجَةْ فِيكْ تَقْطَعْ نَفَسْ خِيلَ القَصَايدْ/ تَشْدَه أجْرَاسَ المَعَابِدْ/ تَوَّهَتْنِي .. جَنَّنَتْنِي/ جَنَّنَتْ حَرْفَ الكَلامْ/ وَبْرضْو أدَّتْنِي السَّلامْ.[…] حَاجَه زَيْ مَاتَكُونْ مِحَلِّقْ فِي العَوَاصِفْ فَجْأه تَهَبُطْ لِلسِّكُونْ/ حَاجَةْ زَيْ نَقْرَ الأصَابِعْ لَمَّا تِرْتَاحْ للمُوسِيقَى.
إنَّهَا الطَّاقَةُ المِدْيَاسِيَّةُ فإذا كَانَتْ يَدُ مِيدْيَاسَ تُحَوَّلُ كَلَّ مَا تَمَسَّهُ إلَى ذَهَبٍ، فَكُلَّ الَّذِي يَمَسُّهُ هَاشِمْ صِدِّيقْ يَتَحَوَّلُ إلَى شِعْر،ٍ يَصْطَادُ مِنَ اللُّغَةِ اليَوْمِيَّةِ جُمْلَهَا الثَّقَافِيَّةِ السَّابِحَةَ فِي نَهْرِ وُجْدَانِهَا العَمِيقِ، مُسْتَحْلِبًا عَصِيرَهَا البَيَانِيِّ الشَّفَّافِ، فَتَرْفُلُ مَزْهُوَّةً بأثْوَابِهَا الجَمَالِيَّةِ.
رَفَعْتَ المَخَدَّةْ فِي بِيتْنَا لِقِيتْ خَلِّيِتِي لَيْ بَسْمَةْ/ فَتَحْتَ عُيُونِي فِي الذَّاكْرَةْ طَارْ بِي جِنَاحُو صُوتْ هَمْسَةْ/فَتَحْتَ كِتَابْ طَلَعْ مِنْ وَسْطُو نُورْ بَصَمَاتِكْ الخَمْسَةْ/ سِمِعْتَ مُوسِيقَى حَسِّيتِكْ تَقُولْ تَاوَقْتِي لَيْ هَسَّهْ.
فِي الأبيَاتِ البَسِيطَةِ أعْلاهُ، نَلْمَحُ حُضُورَ الطَّقْسِ الاجْتِمَاعِي ( الطُّهَارَةِ – النِّفَاسِ -المُعَاوَدَةِ)، مَا أوّدُ قَوْلَهُ لَمْ يَعُدْ الشِّعْرُ خِطَابًا مَجَانِيًّا (كَمَا هُو رَائِجٌ الآنَ)، فَكُلُّ مِنْ الوَظِيفَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ وَالمَعْنَى الرَّمْزِيِّ يَرْتَبِطُ بِسِلْسِلَةِ القِيمِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي تُشَكِّلُ هُوِيّةَ الشَّاعِرِ الثَّقَافِيَّةَ وَاسْتِمْرَارَهَا فِي التَّارِيخِ.
مَا بْتَشْبَه القَمَرَ البِتَاوِقْ منِ سَمَا/ لا بْتَشْبَه البَحَرَ الخَدَارْ/ جَمَالهَا مَا حَاقْ فِي غُنَا/ مَشْيِها زَيْ قَدْلَ البَشَايِرْ بِى مَهَلْ/ وحَدِيثَهَا زَيْ هَمْسَ النَّسَايِمْ للنَّخَلْ/ ايدِينَهَا صَابِغِنْ الوَرِدْ/ وسَلامَهَا زَىْ رُوقَ الجَدَاوِلْ فِي الأرِضْ.
يَنَفْي الشَّاعِرُ نَمَطَ الصُّورَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ، وَيَسْتَبْدِلُهَا بِأنْمَاطٍ مِنْ شَأنِهَا فَتْحُ خِزَانَةِ التَّأوِيلِ النَّصِّي، النَّفْي هُنَا يَنْفِي كُلَّ السِّجِلاتِ الكِلاسِيكِيَّةِ للمُتَعَارَفِ عَلَيْهَا، وَالقَارَّةَ فِي المُخَيِّلَةِ التَّصْوِرِيَّةِ، يُرَافِقُ ذَلِكَ اسْتِدْلالٌ عَلَى مَوْقِفِهِ التَّأمُّلِيِّ الَّذِي يَضَعُنَا أوْ يَضَعُ الخِطَابَ الاتِّبَاعِي فِي مَأزِقٍ عَمَلِيٍّ، فَالجُمْلَةُ البَسِيطَةُ ( جَمَالَهَا مَا حَاقْ فِي غُنَا) هُو كَسْرٌ لأفُقِ التَّلَقِي، وَتَمْهِيدٌ لِبَثِّ الصُّوَرِ المَشْهَدِيَّةِ الجَدِيدَةِ ( مَشْيِها زي قَدْل البشاير بى مَهَل/ وحديثها زي همس النسايم للنَخَل/ ايدينها صابِغِن الورِد/ وسلامها زَىْ رُوقَ الجَدَاوِلْ في الأرِضْ). ألَيْسَتْ هَذِهُ الصُّورةُ مَخْزُونًا لِلخُصُوَبَةِ وَصُورِتِهَا فِي كُلِّ الحَضَارَاتِ الإنْسَانِيَّةِ، كَمَا يُمْكِنُنَا أنَّ نَلْمَحَ تَنَاصًّا أوْ تَعَالُقًا خَفِيًّا مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: « وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ».
يَقُولُ إلْيُوتْ مُعَوِّلًا عَلى إلمَامِ الشَّاعِرِ بِالتُّرَاثِ الإنْسَانِيِّ : « إنَّ الجُزْءَ الأكْبَرَ مِنْ إلهَامِ الشَّاعِرِ يَجِبُ أنْ يأتِي مِنْ قِرَاءتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالتَّارِيخِ» ().
لِكُلِّ ذَلِكَ وأكْثَر؛ يَقِفُ هَاشِمْ صِدِّيقْ كَمُؤَشِّرٍ ثِيرْمُومِتْرِي يَدُلُّ عَلَى التَّحَوُّلاتِ الجَوْهَرِيَّةِ للمُمَارَسَةِ الشِّعْرِيَّةِ، مَأخُوذًا بِاكْتِشَافِ السَّرَادِيبِ غَيْرِ المَرْئِيَّةِ لِعَوَالِمِ الدَّهْشَةِ وَالتَّخْيِيلِ.
كَذَلِكَ لا يَخْلُو النَّصُّ عنْدَ هَاشِمْ صِدِّيقْ مِنْ التَّنَاقُضَاتِ المُدْهِشَةِ بَينَ الأقطَابِ الثُّنَائيَّةِ، الَّتِي تَعْكِسُ تَعْقِيدَ التَّجْرِبَةالإنْسَانِيَّةِ وَعُمْقِهَا، فَتَّوَسَّعُ دَوَائِرُ التَّأوِيلِ. فَفِي دَيْوَانِهِ (الوَجَعُ الخُرَافِي) نَقْرأ (ﻣَﺸَﺖْرِجْلِي عَلِي ﻟِﻴﻞَ اﻟﺪِّرُوبْ ﺑِﻴﻦَ اﻟﻈُّﻠْﻤَﺔْ وَاﻟﺸَّﻤْﻌَﺔْ )- ( ﻳَﺎ غَايْبَةْ زَىْ رُوحْ اﻟﺰَّﻣَﻦْ ﻳَﺎ ﺣَﺎﺿْﺮَةْ فِينِي ﻻ بْتَبِينِي وتِتْلَقِي) – ( ﺑَﺮْدَ اﻟﺤُﺰُنْ اﻟﻄَّﺎﻓِﺢْ ﺟَﻤْﺮُو ).
وَلَقْدْ أشَارَ الصَّدِيقُ الشَّاعِرُ يَحْيى فَضْل الله إلى هَذَا الاشْتِبَاكِ الحَمِيمِ بَيْنَ النَّقَائِضِ يَعْمَلُ عَلَى تَكْثِيفِ الصُّورَةِ الشِّعْرِيَّةِ(). اْنْظُر: مُنَمْنَمَات، عَنْ هَاشِمْ صِدِّيقْ قِرَاءةٌ فِي دَيْوَانِ الوَجَعِ الخُرَافِيِّ.

بِمَثَابَةِ الخَاتِمَةِ
قَبْلَ الخُرُوجِ:
سَأتَوَقَّفُ عَنْدَ مًصْطَلَحٍ قَدْ لا يَعْرِفُهُ الكَثِيرُونَ ( الدِّوِينْدِي)، أشِيرًا للمُحَاضَرَةِ الَّتِي ألْقَاهَا شَاعْرُ إسْبَانْيَا العَظِيمُ فِيدْرِيْركُو غَارْسِيَا لُورْكَا فِي الأرْجَنْتِينِ عَام 1933، ثُمَّ فِي هَافَانَا، وَتَرْجَمَهَا وَقَدَّمَ لَهَا الشَّاعِرُ الفِلِسْطِينِيُّ أحْمَد يَعْقُوب عَنْ الإسْبَانِيَّةِ، وَصَدَرَتْ عَنْ مُؤًسَّسَةِ أرْوِقَةِ لِلنَّشْرِ.
يَرَى لُوْرَكا “أنَّ الحَقِيقَةَ السِّحْرِيَّةَ لِلقَصِيدَةِ تَتَألَّفُ فِي أنْ تَكُونَ دَائِمًا مَسْكُونَةً بِالدِّوِيْندِي لِتـُعمِّـدَ بِمَاءٍ غَامِقٍ كُلَّ الذَّينَ يَنْظُرُونَ إليْهَا، لأنَّهُ مَعَ الدِّوِيْندِي يَكُونُ مِنَ الأسْهَلِ أنْ نُحِبَّ أنْ نَفْهَمَ، وَبِالتَّأكِيدِ أنْ تَكُونَ مَحْبُوبًا، أنْ تَكُونَ مَفْهُومًا، وَهَذا الصِّرَاعً مِنْ أجْلِ التَّعْبِيرِ، وَمِنْ أجْلِ تَوَاصُلِ التَّعْبِيرِ يَكْتَسِبُ أحْيَانًا، فِي الشِّعْرِ، سِمَاتًا مُمِيتَةً[… ] الدِّوِيْندِي يَرْتَفِعُ مِنَ الدَّاخِلِ مِنْ أُخْمِصِ القَدَمَيْنِ؛ أيْ أنِّهُ لَيْسَ مَسْألَةُ كَفَاءَةٍ، إنِّمَا نَمَطُ حَيَاةٍ مُعَاشٍ وَحَقِيقِيٍّ، أيْ مِنَ الدَّمِ، أيْ مِنْ ثَقَافَةِ غَابِرَةٍ، مِنْ خَلْقٍ بِالأدَاءِ. هَذِه الـ “ قُوَّةُ غَامِضَةٌ يَحِسُّ بِهَا الجَمِيعُ وَلا يُفَسِّرُهَا أيُّ فَيْلَسُوفٍ”.
إذَنْ عَلَيْنَا أنْ نَكْتَشِفَ الدِّوِينْدِيَّ الهَاشِمِيّ فِي مُقَابِل الدِّوِنْدِي اللُّورْكَوِيِّ.
يَقُول نِزَارُ قَبَّانِي:
« الشَّرْطُ الأسَاسِيُّ فِي كُلِّ كِتَابَةٍ جَدِيدَةٍ هُوَ الشَّرْطُ الانْقِلابيُّ، وهُو شَرْطٌ لا يُمْكِنُ التَّسَاهُلُ فِيهِ، أوْ المُسَاوَمَةُ عَلَيْهِ، وَبِغَيْرِ هَذَا الشَّرْطِ، تَغْدُو الكِتَابَةُ تَألِيفًا لِمَا سَبَقَ تَألِيفُهُ، وَشَرْحًا لِمَا انْتَهَى شَرْحُهُ، وَمَعْرِفَةً لِمَا سَبَق مَعْرِفتُه، الكِتَابَةُ الحَقِيقِيَّةُ؛ هِي نَقِيضُ النَّسْخِ، وَنَقِيضُ النَّقْلِ، وَنَقِيضُ المُحَاكَاتِ الزِّنْكُوغِرَافِيَّةِ الطِّبَاعِيَّةِ. فالقَصِيدَةُ الجَيِّدَةُ هِي النُّسْخَةُ الأولَى الَّتِي ليْسَ لَهَا نُسْخَةٌ ثَانِيَةٌ سَابِقَةٌ لَهَا أوْ لاحِقَةٌ بِهَا. يَعْنِي أنَّهَا زَمَانٌ هَارِبٌ مِنْ كُلِّ الأزْمِنَةِ.. وَوَقْتٌ خُصُوصِيٌّ مُنْفَصِلٌ كُلِّيًّا عَنْ كُلِّ وَقْتٍ»().
لَقَدْ حَدَّدَ هَاشِمْ صِدِّيقْ مَسَارَ الشِّعْرِ وَرِهَانَهُ، وَكشَأنِ كُلَّ المَرَاحِلِ العَظِيمَةِ لِلانْقِلابَاتِ الشِّعْرِيَّةِ، كَانَ هُوَ الصَّوْتُ الَّذِي يُجَسِّدُ المُغَامَرَةَ الَّتِي أعْطَتْ الرُّوحَ الشِّعْرِيَّةَ خَاصِيَّةً جَدِيدَةً تَمَثَلَّتْ فِي تَحْدِيثِ البِنَاءِ التَّقَنِي وَالهَيْكَلِيِّ لِلقَصِيدَةِ السُّودَانِيَّةِ وأنْسِجَتِهَا الجَمَالِيَّةِ، وَفِي عُمْقِ الأخْيَلةِ وَنُضُوجِهَا المُتَفَرِّدِ. فَفِي فَكُلِّ أعْمَالِهِ يَحْمِلُ الغِنَى وأنَاجِيلَ البِشَارَةِ بِغَدٍ أفْضَلَ للإنْسَانِ.
إحَالات
١/ السَّرد والهُويَّة دراسات فِي السِّيرَةِ الذَّاتِيَّةِ وَالذَّاتِ الثَّقَافِيَّةِ، تَحْرِيرُ: جِينِيز بُرُوكْمِييرْ وَدُونَال كَرْبُو، تر: عبد المقصود عبد الكريِم، مًؤَسَّسة هِنْدَاوِي، ص:21.
٢/ أدُونِيس، مُقَدِّمَةٌ للشِّعْرِ العَرَبِيِّ، ص: 79.
٣/ دَرْوَاش، مُصْطَلحُ الطَّبعِ والصَّنْعَةِ (مُقَارَبَةٌ تَحْلِيليَّةٌ وَرُؤَى نَقْدِيَّةٌ فِي المَنْهَجِ والأصُول)، ص: 241.
٤/ نَقْلًا عَنْ عَبْدَ المُنْعِم عَجَبَ الفَيا، التَّنَاصُ فِي القَصِيدَةِ الحَدِيثَةِ، البَيَان، رَابِطَةُ الأدبَاء، الكُوِيتْ، ع:366 فِبْرَايِر 2000،ص45.
٥/ اْنْظُر: مُنَمْنَمَات، يحْيى فَضْل الله، قِرَاءةٌ فِي دَيْوَانِ الوَجَعِ الخُرَافِيِّ.
٦/ انْظُر: نِزَار قَبَّانِي، الكِتَابَةُ عَمَلٌ انْقِلابِيُّ – ط1، مَنْشُورَاتُ نِزَار قَبَّانِي، بَيْرُوت 1975م.
شارك المقال
