هل الإرادة وحدها تقاوم تعقيد الالتزامات؟

36
طارق عبدالله علي

طارق عبدالله علي

كاتب صحفي

• ​إن اشتياقنا للحظات الصادقة هو الإحساس الذي لم ينقطع أبداً، وهو الدلالة الأكيدة على أن الدفء الإنساني هو عماد الحياة ومحورها الحقيقي الذي تستند إليه. فمع تحولات الزمن المتسارعة، تلاشت تدريجياً كل أشكال الألفة والمودة وروح التواصل التي كانت تُحيي القلوب، وكان ذلك بداية نتيجة تعقيد الالتزامات الذي فرض المسافات حتى قبل وقوع الحرب وإن كان بصورة طفيفة. أما بعدها، فكان العصف الذي زعزع ما تبقى من خيوط الوصال، وهذا التغير في النسيج الاجتماعي أمر طبيعي في ظل الواقع المعقد الذي نعيشه اليوم.

​في الحقيقة، إن كل ما حدث من تقطع في هذا النسيج كان بفعل الظروف القاهرة؛ إلا أن العوامل الخارجية تظل ذات قوة عاصفة في تشكيل وتغيير عميق للسلوكيات الاجتماعية وطرق التفاعل والتعامل التي ألفها الناس، لتطغى تأثيراتها على النيات الخالصة والإرادة الفردية. أتأمل هذه التفاصيل وأنا ألاحظ التذمر المستمر من التغيير الذي يكتوي به الناس حزناً، وما شاع من تظلم الكثيرين من المواقف التي اصطدموا بها خلال تفاصيل الحرب.

​لذلك، من المهم جداً أن ندرك أنه كما تأثرت الحياة بدمار الحرب، كذلك حدث دمار وتأثير في الجانب الاجتماعي. هذا التغيير في العلاقات لم يحدث بإرادتهم، إنما هو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بانسحاب الاستقرار الاقتصادي، وفقدان الناس ما كانوا يستندون إليه من تفاصيل حياتية خاصة. كل هذه التأثيرات تنعكس على طبيعة العلاقات الإنسانية، على الرغم من التشبث الشديد بالقيم السوية.

​مهما كنت متماسكاً، ستجد أن التغيير قد طالك؛ كلنا قد تغيرنا دون أن نشعر بهذه المسألة. ولهذا، يقع على عاتقنا واجب التخفيف، عبر مد جسور التسامح وبناء مساحات للعذر المتبادل. يجب أن ننظر إلى السلوكيات والمواقف التي نشأت في خضم هذه الأزمات على أنها نتاج طبيعي للظروف القاهرة، بكل ما حملته من عتمة وسلبية. فالوضع المعنوي المعقد، الذي يعيشه الناس اليوم بسبب كثرة الضغوط، كفيل بأن يُظهرهم بعكس صورتهم المعهودة في الأوقات الطبيعية، وإدراكنا لذلك هو الخطوة الأولى نحو التعافي وإعادة بناء أواصرنا المتضررة.

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *