البحر الأحمر… صراع الموانئ والمؤامرات الخفية
Admin 29 نوفمبر، 2025 20
أ. د. فيصل محمد فضل المولى
أكاديمي وباحث مستقل
مقدمة
• يعيش البحر الأحمر اليوم على إيقاع واحد من أكثر الصراعات تعقيداً وتشابكاً في القرن الإفريقي، حيث تتقاطع مطامع القوى الإقليمية والدولية مع جغرافيا ضيقة ولكنها شديدة الحساسية. هذا البحر الذي لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه 300 كيلومتر، أصبح مسرحاً لسباق محموم بين دول تبحث عن النفوذ، وأخرى تسعى للبقاء، وثالثة تريد إعادة رسم خرائط القوة وفق مصالحها وتوازناتها الخاصة. وتحوّل البحر الأحمر، بفضل موقعه بين قناة السويس وباب المندب، إلى شريان اقتصادي عالمي وممر استراتيجي لا يمكن لأي دولة طموحة تجاهله أو تركه خارج حساباتها.
في قلب هذا المشهد المضطرب، تبرز أزمة إثيوبيا كدولة حبيسة محشورة بين رغبتها في الوصول إلى البحر وحذر جيرانها، بينما تقف إريتريا على الضفة المقابلة حاملة إرثاً من العداء القديم وساحلاً يصلح أن يكون حلّاً… أو شرارة أشد. ومع اشتداد التنافس، تتحرك الإمارات العربية المتحدة في الخلفية بلا ضوضاء، ولكن بحضور اقتصادي وعسكري وسياسي كبير يجعلها لاعباً لا يمكن تجاهله، سواء في ملف الموانئ أو في الحرب الدائرة اليوم في السودان. هكذا تتشكل لوحة إقليمية معقدة، تتداخل فيها الدبلوماسية بالمصالح، وتتنازع فيها القوى على كل ميناء وكل ممر مائي، وتُصنع فيها القرارات الكبرى في غرف مغلقة أكثر مما تُصنع في العلن.
إثيوبيا: دولة عملاقة محاصرة باليابسة
فقدت إثيوبيا منفذها البحري عقب استقلال إريتريا عام 1993، وهو تحوّل جغرافي وسياسي ما زالت العاصمة أديس أبابا تدفع ثمنه حتى اليوم. فبلد يفوق عدد سكانه 120 مليون نسمة لا يمكنه الاعتماد على دولة واحدة- جيبوتي-لتمرير 95% من تجارته. ومع تصاعد الأزمات الداخلية، والحروب الأهلية، والانهيار الاقتصادي الذي ضرب البلاد بعد حرب تيغراي، أصبحت الحاجة إلى منفذ بحري ليست قضية رفاهية، بل مسألة بقاء.
إريتريا: ساحل طويل وحذر سياسي أطول
إريتريا، بساحلها الممتد على أكثر من ألف كيلومتر، تمتلك الموانئ الأكثر منطقية لاحتياجات إثيوبيا: عصب ومصوّع. لكن أسمرة، التي عاشت حرباً دامية مع إثيوبيا وانعزالاً دولياً لسنوات، تتعامل مع ملف الموانئ بحساسية قصوى. فهي تخشى أن يؤدي أي فتح للموانئ إلى إعادة نفوذ إثيوبيا على سواحلها، أو إلى أن تصبح مجرد ممر لتحقيق طموحات آبي أحمد الإقليمية.
اتفاق زيلع… شرارة صراع جديد
عندما وقّعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع أرض الصومال للحصول على منفذ في زيلع في يناير 2024، بدا الأمر وكأنه محاولة للهروب من الواقع الجغرافي عبر كيان غير معترف به. لكن الاتفاق فجّر موجة غضب إقليمي:
– الصومال اعتبرته اعتداء على السيادة.
– جيبوتي شعرت بأنه تهديد مباشر.
– إريتريا قرأت فيه رسالة واضحة: «سنتجاوزكم بكل الطرق».
ورغم انهيار الاتفاق سياسياً، إلا أنه كشف حجم الضغط الذي تعيشه إثيوبيا.
البحر الأحمر: مسرح مفتوح للقوى الإقليمية والدولية
لم يعد البحر الأحمر ممراً محايداً. فهو اليوم ساحة تتنافس فيها:
السعودية، الإمارات، تركيا، مصر، إيران، الولايات المتحدة، الصين، روسيا، إسرائيل.
كل دولة لها حسابات، وكل قرار على الساحل يربك معادلة ما في الخليج أو شرق المتوسط أو القرن الإفريقي. وهذا ما يجعل صراع الموانئ بين إثيوبيا وإريتريا أكبر من مجرد خلاف حدودي – إنه جزء من سباق نفوذ عالمي.
دور الإمارات في صناعة التوازنات والمؤامرات الإقليمية
الإمارات اليوم لاعب رئيسي في البحر الأحمر، ليس فقط عبر استثمارات موانئ دبي العالمية، بل عبر وجود عسكري ولوجستي وسياسي. ويصف منتقدوها دورها بأنه مزيج من الدبلوماسية الصامتة والمناورات الاستراتيجية التي تُعيد تشكيل الإقليم وفق مصالحها.
1. استخدام الموانئ كورقة ضغط
تدير الإمارات موانئ في أرض الصومال وإريتريا واليمن. هذا الانتشار يجعلها تتحكم في طرق اللوجستيات، وتضغط على الأطراف عبر الاستثمار أو سحبه، أو عبر تحويل الموانئ إلى مراكز نفوذ سياسي.
2. تحالفات متناقضة مدروسة
تدعم الإمارات أطرافاً مختلفة في القرن الإفريقي ليس حباً في التناقض، بل لضمان استمرار نفوذها مهما تغير المشهد السياسي. فهي:
– تدعم أرض الصومال اقتصادياً.
– تقيم شراكات مع أسمرة.
– تموّل مشاريع في إثيوبيا.
– تبني علاقات عسكرية في اليمن.
– تنسج اتفاقات لوجستية في السودان.
3. التمويل المشروط كأداة نفوذ
تقدم الإمارات مساعدات وقروضاً واستثمارات، لكن هذه الأموال- بحسب محللين- ترتبط بشروط غير معلنة تخص النفوذ والقرارات السيادية.
دور الإمارات في الحرب الدائرة الآن في السودان وحاجتها للموانئ السودانية
لا يمكن فهم دور الإمارات في البحر الأحمر دون التوقف عند الحرب السودانية الحالية بين الجيش وقوات الدعم السريع. إذ تتهم عدة أطراف إقليمية ودولية الإمارات بأنها لعبت دوراً أساسياً، سواء في تعميق الأزمة أو في موازنة أطرافها، وذلك لاعتبارات مرتبطة تحديداً بالموانئ السودانية.
1. الدعم السياسي واللوجستي لقوات الدعم السريع
تُوجَّه اتهامات عديدة، من الحكومة السودانية ومن تقارير دولية، للإمارات بأنها دعمت قوات الدعم السريع بالسلاح والمال عبر طرق غير مباشرة.
الدافع الأساسي ليس سياسياً فقط، بل اقتصادي جيوسياسي، لأن الإمارات كانت تبحث عن:
• موطئ قدم في الموانئ السودانية، خصوصاً ميناء بورتسودان وسواكن.
• السيطرة على منافذ الذهب التي تشكل أحد أهم موارد الدعم السريع.
• تكوين قوة عسكرية محلية قادرة على حماية مصالحها وتوازن نفوذها ضد تركيا وقطر في البحر الأحمر.
2. الصراع الإماراتي التركي على سواكن
سواكن، ذلك الميناء التاريخي، كان جزءاً من مشروع تركي كبير في عهد الرئيس السابق عمر البشير. الإمارات اعتبرت المشروع تهديداً مباشراً، لأنه يمنح تركيا، خصمها، نفوذاً استراتيجياً في البحر الأحمر.
عندما اندلعت الحرب، رأى البعض أن الإمارات حاولت إعادة هندسة القوى داخل السودان لإفشال المشروع التركي، وضمان ألا تصبح سواكن بوابة نفوذ منافس.
3. الحاجة الاستراتيجية للموانئ السودانية
الموانئ السودانية لها ميزتان كبيرتان بالنسبة للإمارات:
1. عمق بحري يسمح باستيعاب السفن العملاقة.
2. موقع مركزي في البحر الأحمر بين قناة السويس وباب المندب
الإمارات التي تبني منظومة من الموانئ على الساحل الشرقي والغربي للبحر الأحمر، ترى في السودان الحلقة التي تكمل مشروعها التجاري– العسكري– اللوجستي.
4. استخدام الحرب السودانية كفرصة لإعادة تشكيل نفوذها
بحسب مراقبين، فإن الإمارات تسعى لضمان أن أي سلطة سودانية مستقبلية ستكون:
– شريكاً اقتصادياً لها– ومنحازة لمشاريعها اللوجستية
– وغير معادية لدورها المتسع في البحر الأحمر،
لذلك أصبحت الحرب السودانية بالنسبة للإمارات أداة للتأثير الإقليمي، وليست مجرد صراع بعيد عنها.
يبدو البحر الأحمر اليوم كرقعة شطرنج ضخمة تتوزع فوقها قطعٌ كثيرة، تتحرك ببطء حيناً وبسرعة حيناً آخر، لكنها لا تتوقف أبداً. فكل دولة في الإقليم، صغيرة كانت أو كبيرة، تعرف أن السيطرة على الموانئ والمعابر والمضايق لم تعد مجرد مسألة اقتصادية، بل تحوّلت إلى جوهر الأمن القومي وركيزة النفوذ الإقليمي. وفي هذا المشهد، يتقاطع صراع إثيوبيا وإريتريا مع مصالح قوى أكبر وأوسع، حيث تدرك أديس أبابا أن مستقبلها الاقتصادي والسياسي مرتبط بقدرتها على الوصول إلى البحر، فيما ترى أسمرة أن حماية ساحلها ليست مجرد قرار سيادي، بل صمام بقاء في منطقة تتغير توازناتها بسرعة مذهلة.
وتدخل الإمارات على خط الأزمة كقوة إقليمية تطمح إلى ترسيخ وجود طويل الأمد في البحر الأحمر، عبر شبكة ممتدة من الموانئ والاستثمارات والاتفاقيات. وقد اتسع دورها خلال الحرب في السودان، حيث ارتبطت تحركاتها، وفق تقارير وتحليلات عديدة، برغبتها في ضمان منفذ استراتيجي على الساحل السوداني، لا سيما بعد تعثر مشروعاتها في سواكن والبحر الأحمر في ظل تنافسها مع تركيا وقطر. ومع كل يوم يمر، يصبح واضحاً أن الحرب السودانية ليست مجرد نزاع داخلي، بل جزء من صراع أوسع على النفوذ في البحر الأحمر يمتد من اليمن إلى القرن الإفريقي.
في ظل هذا التعقيد، يبقى التحدي الأكبر هو غياب رؤية جماعية لإدارة البحر الأحمر كمنطقة تعاون بدلاً من ساحة صراع. فالدول المطلة والمتداخلة قادرة، لو شاءت، على تحويله إلى محور ازدهار اقتصادي ضخم عبر التكامل في الموانئ والطاقة والمرور البحري والأمن المشترك. لكن من دون إرادة سياسية، ومن دون إدراك أن الاستفراد بالبحر الأحمر مستحيل في عالم متداخل المصالح، ستظل المنطقة رهينة التوترات والاشتباكات والتدخلات الخارجية.
هكذا يُظهر المشهد أن البحر الأحمر ما زال يكتب فصوله بمدادٍ من الجغرافيا والمصالح، وأن مستقبل القرن الإفريقي سيتحدد بقدرة دوله على استبدال الصراع بالتفاهم، والمنافسة بالتكامل، والمؤامرات بالتخطيط المشترك… وإلا سيبقى البحر بحر النار لا بحر التجارة.
شارك المقال
