جمال عتموري

د. جمال حسن عتموري

محام وكاتب

• الشعر العربي أغزر مادة الأدب الجاهلي وأكثرها دسامة، وقد تناقل على لسان الرواة أن الشعر كله إنما بدأ أول ما بدأ قطعاً بالسجع، وهو الكلام المقفى غير الموزون، ثم تطور إلى سجع موزون عُرف بالرجز، كان ينظمه الشعراء الجاهليون بادئ أمرهم في شكل قطع صغيرة تُضع على وزن بحر من بحور الشعر على حسب الاقتضاء والأغراض، وأول من حول الشعر إلى هيئة القصيدة امرؤ القيس وعدي بن ربيعة التغلبي بنحو قرن ونصف من الزمان قبل مجيء الإسلام، وقد لُقب عدي بالمهلهل، وتواتر أنه حاز هذا اللقب لأنه هلهل الشعر وجعله وسيعاً، وهو شقيق كليب سيد قبائل معد، وأعز رجالها، وأكثرهم فخراً، وأسبق من ملك قومه من العرب، فكيف لا وكليب قد كان من عزه أن ينزل العرب المعدية العدنانية من ربيعة ومضر منازلهم ويرجعهم ويحمى الصيد ولا تُوقد نار مع ناره ولا تورد مع إبله إبل أحد، ومما جاء عنه أنه رأى قُبّرة في حماة وقد بنت عشاً ووضعت بيضاً، وبدون إذنه وردت حياضه ناقة تسمى سراب قيل إنها لخالته البسوس، وقيل إنها لجارها وخربت عش القبرة فغضب عليها ورماها بسهم أرداها قتيلة، فكان هذا سبباً في الانتقام منه بطعنه غدراً برمح ابن خالته جساس ومعه عصبة من أبناء خؤولته البكريين، ولما التمس شربة ماء من قاتليه لا سقوه ولا أجهزوا عليه، وإنما تُرك ليموت أسفل الوادي وحيداً على ظمئه، كما ترك سراب تموت بسهمه عطشى من غير أن تشرب من حياضه، ولعمره فإن سيد قومه هو من يمنع الماء، وما طلبه مستسغياً من أحد قط منذ أن أطل على الحياة إلا هذه اللحظة، وقد دفعه الشعور بالذل ومرارة المهانة التي تذوقها لتوه أول مرة إلى أن يكتب بدمه على صخرة بجواره، موصياً أخاه عدي قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ألا يصالح!

 أما عدي فقد كان غير عابئ بأخيه ولا ملكه، ومنكباً على لهوه، وغارقاً في مجونه، حتى أُطلق عليه لقب الزير، وهو يعني جليس النساء، فعرف في التاريخ بالزير سالم، وقد نبأ بما وقع لكليب قومه وسالم في ما عليه ومن حوله الغواني،  فرمى الدن من يده وقد حركه الثأر لمقتل أخيه، وقال: «سأقتل بكراً كلها بكليب»، فبدأت حرب تعد الأطول في تاريخ العرب عُرفت بحرب البسوس، نظم فيها الزير شعراً وظفه لأغراض المناحة لتشعل جذوة الانتقام، وتجعل عاطفة الثأر تتقد في نفوس التغلبيين كما يشعر بها تعذب روحه وتحض سيفه على المزيد من الانتقام، وهو أول شاعر أطال القصائد، وقد بلغ بها إلى أكثر من ثلاثين بيتاً خرج بها في الفخر والترهيب إلى حد الغلو والمبالغة، وعلى دربه سار الشعراء في طريق الإطالة والتنوع بما يقتضيه الغرض والمناسبة بين الطول والقصر، وقد أدرك الشعر غايته من النضج والكمال من التزام القصيدة العربية الوزن وحركة الروي والقافية الواحدة والتصريع والمقدمات عبر مراحل كثيرة، تكفل فيها النقد الأدبي بإصلاحه، وقام بتقويمه على نحو ما انتهى إلينا في المعلقات وغيرها من شعر الجاهليين والمخضرمين.

فى أخريات العصر الجاهلي نشطت حركة النقد الأدبي من خلال المطارحات الشعرية في أسواق العرب ومجالسهم، واحتكام الشعراء فيما ينشدون إلى أهل الدربة والمعرفة بصناعة الشعر، ومن بين هؤلاء الحكام النابغة الزبياني وقد عُرف بين شعراء زمانه بسعة أخيلته الشعرية، وقوة ملاحظاته النقدية، وتمتعه بملكات خاصة يميز بها جيد الشعر عما سواه، فكانت تُضرب له بسوق عكاظ كل عام خيمة من الجلد الثمين كمنتدى أدبي يرتاده الشعراء، عارضين أعمالهم ليحكم فيها، أما ملكة النقد الأولى عند الجاهليين فهي تُلتمس من الملاحظات الجزئية المنطلقة من العاطفة والذوق الفطري والمجردة من العلل والتسبيب، وقد نقلت إلينا روايات الشعر وأخبار العرب قصص تنافس الشعراء وتحدياتهم بغاياتها في التفوق على بعضهم، والاحتكام لمن يرتضونه للفصل بينهم، وفي الخبر أن امرأ القيس لما هرب من ملك الحيرة ونزل عند بني طئ زوجوه منهم امرأة تدعى أم جندب، وقد بقي عندهم إلى أن جاءه يوماً علقمة بن عبده التميمي ضيفاً، فتذاكرا في الشعر واختلفا في أيهما أشعر من الآخر، فقال له: بيني وبينك امرأتك لتحكم بيننا! ولما وافق طلبت منهما أن يقولا شعراً متحد العناصر من حيث الوزن والأغراض والمناسبة في وصف الفرس في رحلة صيد.

أنشد امرؤ القيس قصيدة من بحر الطويل حرف رويها الباء المكسورة، استطرد فيها في وصف فرسه وشدة سرعته في مطاردة صيده، ثم قال علقمة من الوزن والروي والقافية ما مثلها، فنظرت أم جندب إلى قصيدتيهما بشيء من التروي، ملتفتة إلى الصورة الشعرية من حيث قدرة كليهما على أدائها لتقارن بينهما، ثم تأملت ملياً بيتاً من قصيدة زوجها يقول فيه: خليلي مرا بي على أم جندب لنقضي حاجات الفؤاد المعذب.. فللسوط أُلهوب وللساق درة وللزجر منه وقعُ أهوج منعب، فوجدت أنه مصور نفسه كأنه يحث فرسه بساقيه وصياحه ويلهب ظهره بالجلد ليلحق بالطريدة، وقد اندفع الفرس نحوها بعنقه كالمجنون، محاكياً لُهب النار في قوة اشتعالها وسرعة انتشارها، أما علقمة بقوله: ذهبت من الهجران في كل مذهب ولم يك حقاً كل هذا التجنب فأدركهنّ ثانياً من عنانه يمر كمر الرائح المتحلب، فقد صور فرسه بأنه وبمجرد أن أمسك بلجامه قد انطلق ثان من عنانه كبساط الريح، ودون أن يُضرب أو يُستحث أو يُزجر أدرك ضالته، فاستنتجت بسليقتها البدوية وفطرتها السليمة ومن تجربتها الذاتية من واقع حياة إنسان الصحراء، أن فرسه أجود وفرس امرئ القيس خامل بليد لا يُستخرج ما عنده إلا بمؤثرات خارجية، فالصورة الشعرية عند علقمة أوضح وأكمل وأجمل، لأنه صور ما يجب أن يكون، وقد نال هذا الحكم المعلل رضاء النقاد المعاصرين، لكونه مبنياً على أسس فنية، وتغلب عليه المقاييس الموضوعية، ويستند في خلاصته إلى موازنة دقيقة تصل بمعنى كل من البيتين.     

ثمة من يقف ضد حكم أم جندب، ويرى أن امرأ القيس لم يرد في المعنى ولا المقصد أن جواده لا يُستحث في عمل الصيد إلا بما قال، لأن تحريك الساقين واستعمال السوط وإصدار الصوت وإكثار الصياح للزجر من لوازم الفارس ليكون متمكناً من جواده مهما كان نوعه، وهي قد انتقدت الفرس لا الشعر فلم تنظر إلى انفعالاته وتصويره لمشاعره ولهفته ليدرك طريدته، وهو تصوير لما يحدث في الصيد فعلاً، تفوق به على غريمه الذي لم يوصف إلا الفرس فقط، وقد قسى البعض عليها بقوله إنه قد اشتهر بوصف الخيل، فلا يعقل أن يتفوق عليه شاعر لولا أنها وامقة غلبته بهواها لا بقصيدته، فالدافع فى الحكم كان شهوانياً، لأن غريمه هو من اختارها لتفصل بينهما، فقبل امرؤ القيس التحدي وباشر النزال لثقته بنفسه، لكنه عاد وأنكر حكمها، متهماً أياها بالتواطؤ معه لمواقها الشديد له وتعلقها به، وليقينه بأنه ما هو بأشعر منه فكان ذلك سبباً كافياً بالنسبة إليه ليطلقها، وهي فرحت بطلاقها منه وتزوجها علقمة من بعده دون غيره، مما يعني أن الحكم كان مبيتاً من قبل، وكنتاج لتلك الواقعات جرت تسميته بالفحل، لأنه انتزع من الرجل زوجته، وقد أورد الأصمعي رواية تدل على أنها كانت تريد الخلاص من زوجها، لأنه كان مُفرّكاً بطئ الإفاقة سريع الإراقة مما تبغضه النساء، وثمة من شكك في صحة الرواية نفسها لقربها من صنع المتأخرين في النقد والموازنة، وبعدها عن النقد الجاهلي الذي لم يجاوز الذوق الفطري إلى الناحية العلمية، إذ لا يعقل لامرأة جاهلة من البادية أن يصل بها بعد النظر أن تشترط للحكم بين شاعرين اتحاد الموضوع والقافية وحرف الروي، أو تملك الجرأة على أن تؤثر رجلاً على زوجها بأية حال وهي تدرك مغبة فعلها، غير أن هذا المنهج المبني على الشك فاسد في تقدير الكثيرين، لأن كل ما تناقله الرواة من قصص وأشعار منسوبة إلى أصحابها بالتواتر والتوارد والشهرة، تُعد صحيحة ما لم يطرأ أو يرد من أدلة نقلية أو عقلية، ما يبرر الطعن في صحتها أو الشك في نسبتها.

مهما يكن من أمر، فإن حكم أم جندب وإن كان قد استبطن رغبتها أو صادف هوى في نفسها، إلا أنه في واقع الحال، مبني على تحليل علمي سليم، ينفي عنها تهمة التحيز التي تطعن في عدالة الحكم، ويستند إلى ملحوظات دقيقة تنطوي على حس جمالي عالٍ يدرك الواقع والمتخيل معا،ً وتتفق تماماً مع بعض المناهج الفلسفية اليونانية القديمة، بتصوير ما يمكن أن يكون وليس هدفها تصوير ما هو كائن فقط، فهي كانت قد اشترطت للموازنة بين الغريمين أن يصفا فرسيهما وهما في رحلة صيد، غير أن امرأ القيس قد تجاوز الشرط بوصف الفارس، وقدم صورة غير مكتملة البناء لفرسه بالقياس للصورة التي رسمها غريمه الذي كان وصفه لما متخيل هو المطلوب، ثم أنه مال إلى المبالغات الشعرية، ذلك ما عده النقد في العصر الجاهلي من عيوب الشعر ومن شأنه إفساد المعنى، كما عاب عليه الإقواء؛ وهو اختلاف حركة الروي لأن فيه انتقاصاً لأحد عناصر القافية التي تُلتزم فيها من أول قافية في القصيدة إلى آخرها، وقد حكمت أم جندب بتعليل علمي مجرد، ينم عن إمكانات نقدية مهولة، وقدرات في الموازنة والتحليل سبقت بها بنات جنسها في المجال، لأن الملحوظات النقدية التي وقعت في الأدب اليوناني قبل هذه الأحداث وسجلها التاريخ كان أبطالها رجالاً، وبالتالي لا يكفيها إلا أن نقول عنها إنها رائدة المرأة العالمية فى النقد الأدبى.

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *