د. عبدالمنعم سليمان الحسين
كاتب صحفي
• شاعرنا إسماعيل حسن صغّر بتشديد الغين وفتحها الرقبة، والتي عادة عندما يتغزل ويتغنى الشعراء بجمالها يصفونها (بالجيد)، ولا يكون هنالك طاري للرقبة؛ ولكن شاعرنا المبدع أتى بالرقبة وصغرها دلالاً وتيهاً لتمد لسانها للجيد في أشعار كل الشعراء قائلاً:
(الرقيبة قزازة عصير والسنون براقن يشيل)
وهنا كمان مع السنون إبداع آخر إذ إن لمعان الأسنان يشلع (يسطع) متل البرق (براقن يشيل) البرق ده شال شنو؟؟
شال الوميض الذي يسبق الرعود.
شاعرنا الدابي يقول:
(ما دام طار جنا الوزين
يا دوب قلّ نوم العين
لرؤياك مشتاقين
ختفت قلوبنا ركيت وين).
كلمة جنا من جنين، نتميز نحن بها دوناً عن كل الشعوب؛ حتى البيض في كثير من المناطق نسميه (جنا جداد).
هنا يقول جنا الوزين الذي يتميز بالجمال وليس الوزينة الكبيرة التي قد تكون هرمت.
ختفت قلوبنا…… جنا الوزين الجميل هذا. وهنا كما هو معلوم الوزين يعوم ويطير ويعوم ويسبح في النهر، متراقصاً برأسه وجناحيه كما الحسناء في السباتة، ويطير بعد ذلك خطفاً لقلوب الشباب، ويسأله متسائلاً هذه القلوب التي اختطفتها في أي الأعشاش نزلت بها (ركيت وين؟). وكلمة ركيت موغلة في العامية، لكنها أجمل من كلمة نزلت.
كلمة النازلة أتى بها الشاعر حدربي محمد سعيد، عندما وصف حسناء القرية وهي ذاهبة في الصباح الباكر لجلب الماء من النهر، ولم يقل الذاهبة لجلب الماء بل يقول (النازلة)، وهو يقول ذلك لأن النهر الذي تنام القرية في أحضان ضفافه هو دوماً في مواسم غير الفيضان مجراه في منحدر تحتاج الحسناء أن تنزل (القيف) لتجلب منه الماء، فيقول
(يا النازلة ماشة علي البحر
ساعة الحلب…..
ساعة الشمس يا دوب بتطلع
والشعاع من بين فتيحات الغصون
رقرق علي قش الدرب
ماع الندى…. ووقع
متل خرز السبح خيطو انقطع)
والنازلة هنا هو نزول هذه الحسناء لجلب الماء (شان تسقي شتلات الحياة وشان تسقي في البيت الأهل).
والنازلة في اللغة العربية الفصحى هي المصيبة، وهنا عند حدربي هو موكب الحسناء وما يحيط به من جمالها وجمال الطبيعة حولها، وهو نزول بين خضرة الجمال المتراكم
(السمحة بي وسط التمر دايماً تمر
يتنى بي فوقا الجريد
يلمس سبايب في الشعر
والقمري من عش ما بيطير
اعتاد عليها ووالفا
مرات تقيف منو وتشيل
ومرات تفوت مشغولة بي شيتاً كتر).
كلمة السمحة تتفرد بها عاميتنا دون العاميات الأخرى، ويكثر من استخدامها الكثير من الشعراء، وصفاً للجمال
((السمحة نوارة فريقنا
يا العسل يا النشفتي ريقنا)).
مفرداتنا العامية بها الكثير من المرتكزات في الفصحى، والقرآن الذي نزل بلسان عربي فصيح جاء فيه في محكم تنزيله
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ).
فكلمة أبى، أي رفض، نستعملها عامياً بمختلف التحويرات، كأن يقول أحدهم (أبيت)، إن ناديته قائلاً له تعال…. فيكون رده أبيت، أي أرفض المجيء لك، وأيضاً إن دعوت أحدهم لحضور وليمتك ولم يحضر، تقول للآخرين عزمته وأبى يجي، وهذا يعني أن الكثير من مفردات عاميتنا ضاربة في جذور لغتنا الفصحى. وفي هذا السياق وردت كلمة أبيت في قصيدة فاطني بت بشير الموجهة لزوجها العمدة محمد أحمد سمعريت عمدة مركز مروي وقتها، والذي أحست بأنه قد أهانها بعد خلاف بينهما، وذهابها لمنزل أهلها وعودتها بعد ذلك لبيتها لتجده قد أغلق الأبواب في وجهها، فتعود غاضبة إلى ديار أهلها، فيرسل بعد أيام أخته كجودية ليسترضيها لتعود فترفض وترد:
(قوليلو أبيت … أمشي قوليلو أبيت
وتاني قوليلو أبيت .. قوليلو أبيت
وكان ضبح تورك جبتو جيت
وكان ملص مركوبك حبيت
وكان مشيت في الخرطوم بنيت
وكان قلع جدك سمعريت
ما برجع تب أبيت).
أبيت هنا تبرز الإصرار انتصاراً للكرامة.
لغتنا ولهجتنا المحلية موغلة في الوجد والجمال بالذات مع التعدد الذي نحظى به، والذي كان يمكن أن نستفيد منه في التلاقي لا الفرقة التي ندفع ثمنها الآن، تجاوزاً لكل هذا الجمال الذي يحظى به هذا الوطن الجميل، الذي نتمناه دوماً وطناً آمناً، سالماً يسع كل أبنائه.
شارك المقال
