
الناجي حسن صالح
رئيس التحرير
محمد يمسح جبين أبيه المتورِّم. الحر يتسلل من خلال الشُّبَّاك المتهالك بفعل الجنجويد العُفاشة. الأب ينظر إلى ورقة بيضاء.. رسوم امتحان الانتقال من مرحلة إلى أخرى.. 45 ألف جنيه. رقم يثقل كاهل المروءة.
«لن نستسلم»، يقول الأب وصوته يشبه صدى بعيداً.
في الخارج، تتجمع نساء بثياب باهتة. واحدة منهن ترفع يديها إلى السماء: «هذه أموال الدنيا .. وحالنا، ولكن أطفالنا ليسوا عدداً!».
الحياة في ود مدني تتوقف عند هذا الرقم. أطفال يحلمون بغد أفضل، وآباء يبحثون عن أمل في جيوب ممزقة. الكتب مفتوحة، والعقول مستعدة، والأبواب مغلقة.
الجد في الزاوية يهز رأسه. عيناه تعرفان الحكايات القديمة. «كان العلم نوراً»، يقول. «أما الآن، فهو رقم في دفتر».
محمد لا يفهم كل هذا. هو يفهم أن وجه أبيه اشتد قتامة. يفهم أنه لن يجلس مع صديقه حسن في قاعة الامتحان.. فقد فرّقتهم الحاجة.. والغد غيم مظلم.
وفي المدارس، مقاعد فارغة تصرخ بصمت. كل مقعد فارغ هو قصة طفل حُرم حقه، وحلم معلّق على جدار الفقر.
الوالي يجلس خلف مكتبه الكبير. هناك تقارير وأرقام. هو يعرف الأرقام جيداً، لكنه لم يسمع قط صوت أم تهمس باليأس في أذن ولدها: «لا تخف». لم يرَ العَرَقَ على جبين أب يبحث عن ملاليم في جيوب مهترئة.
الوجوه في الشوارع تحكي ما لا تستطيع الأرقام تبيانه. عيون الأطفال تتساءل: لماذا الحلم بمستقبل جيد يتوقف على قدرة الأب على دفع ثمن؟ لماذا يكون العلم سلعة مفقودة للغرباء؟
الوالي ينظر من شباكه. يرى الوجوه. لم يعد يرى أرقاماً. الوجوه وحدها تحكي قصصاً. قصص أقوى من أي وثيقة صماء.
فجأة، تصل أخبار… تحرك شعبي. نساء ورجال يجتمعون أمام مقر الولاية. ليس بأيديهم سلاح – وإلا كانوا قد أسمعوهم – أيديهم مملوءة بالكرامة واليأس. صمتهم أصدع من صخب الدنيا.
هذه هي الحرب الحقيقية. ليست حروب الحديد والدم. بل حرب الإنسان ضد رقم مكتوب على ورقة تافهة.. حرب الأم التي لا تملك سوى دعاء صامت.. حرب الطفل الذي يرفع عينيه نحو السماء، متسائلاً: «لماذا؟».
الليل يحل.. الهواء حار.. كأنفاس المكلومين.. ولكن قلب محمد دافئ.. أبوه يضمه إلى صدره. «سنجد حلاً»، يقول الأب… صوته ليس صوت يأس بل صوت إنسان يقف في وجه العوز.
هذه هي البطولة. ليست في الكتب.. بل في عيون آباء يقاتلون من أجل قلم يكتب مستقبل أولادهم.
وفي الصباح، تسقط أول قطرات المطر. ليست غزيرة. ولكنها تذكر الجميع… بعض الحلول تأتي صامتة. بعض الحروب تنتصر بصبر.
وفي نهاية الأمر، يبقى السؤال: هل يستحق أطفالنا فرصة ليكتشفوا عالماً بدون أن يُثقل كاهلهم برسوم تسرق أحلامهم؟
يوماً ما، وبينما الشمس تُشرق على مدينة ود مدني كعادتها، قد يجدون جثة محمد طافية على نيلها الأزرق. في يده اليمنى يقبض على قلم امتحان مكسور، وفي اليسرى ورقة مبللة بيضاء كُتب عليها بأحرف طفولية: «آسف يا أبي، لم أرد أن أكون عبئاً عليك».
الوالي قد يرسل برقية تعزية، ومن ثم يعد بـ«دراسة المشكلة». ولكن النهر يستمر في الجريان، حاملاً معه أحلاماً غرقت، وطفولة مُجهضة، وكرامة إنسان تحولت إلى رقم في سجل الوفيات.
المقاعد الفارغة في قاعة الامتحان ازدادت هذا العام. والآن هناك مقعد آخر فارغ، مقعد لن يملأه أحد أبداً. لأن بعض الأطفال يختارون الرحيل عندما يصبح ثمن البقاء أغلى من ثمن الموت.
شارك المقال