
العجب عبدالكريم العجب
كاتب صحفي
• تتوارى الشمس رغم سطوعها الطاغي في فضاءات المدينة صباح كل جمعة.. تتوارى خجلى خلف سقف تلاقي الأهالي في رواحهم وغدوهم بين تواصل أرحام الأسر الممتدة وزيارات الأصدقاء للأسر، التي تلفحت بثقافة المدينة بحكم سكناها واندماجها بين ثنايا حواريها وتعرجات وتشابك نسيجها، الذي أبدع نول صنعه في زينة قل أن تجدها بين المدن.
خرجت في صباح خريفي طقسه وبديعة ملامحه، ممنياً نفسي بـ(ضرا).
للتوضيح الضرا تلك المساحة المخصصة لفرشات الفطور في رمضان وفطور الجمعة… تتزاحم فيه قداحة (العصيدة)، وتتعالى فيه أبخرة (القراصة) الساخنة، ويفوق تعاليها أصوات من تحلقوا حولها بالتنادي الحصري، والذي صنع خصيصاً للسودانيين.. (ياااا زول اتفضل حرم تدخل إيدك).
لم يدم سعيي كثيراً، رغم تداخل الاتجاهات بأيهم أبدأ مسعاي، توكلت على الاتجاه الذي كان قبالته وجهي، وبعيداً عنه تفكيري، الذي ينقب عما يجب أن يكون هادياً لنص يصلح مقالاً. عندها رنّ هاتفي، وكان محدثي واحداً من رفاق العمل التطوعي، بدأت محادثته وين انت حدد موقعك؟ أجبته بالشارع وليس لي وجهة محددة.. صاااح كأنما وجد الكنز، أسرع تعال الدار الزراعي، الفطور قدامنا، وقدامنا مواضيع أكيد سوف تعجبك. ويااا للعجب، حيث كانت وجهتي في ذات الطريق إلى موقع إفطارهم.. وفي سيري تراصت بمخيلتي عدة أسئلة حول مدينة أذابت داخلها الانتماء القبلي، وخير دليل على ذلك، فطور الجمعة فيها يكاد يتطابق عند معدميها وبرجوازييها ورأسماليتها، على اختلاف جذور أصولهم شمالاً وشرقاً وغرباً وجنوباً وسكان الوسط.. اجتمعوا على حبها فبادلتهم ذلك بمزيد من الترابط.. دارت الأسئلة وأنا حائر خلفها بحثاً عن إجاباتها.
لاحقني خالد رفيق العمل العام بتلفون آخر، حثني على الإسراع، عطلت بعده عقلي وأوسعت خطوي وأغلقت عيني إلا عن الأسفلت، ويبست رأسي عن التلفت حتى وصلت إلى تلك الدار، ومن بوابتها قابلتني رائحة الطعام وتعالي القهقهات، وفجأة علا صوت من بينها غير مألوف لدي: أديتنا الجوع يااااخ.. رفعت يديَّ من بعيد محيياً الجميع ومداعباً يلا يا أخوان بسم الله، وجلست مع أول صينية وصلتها جلس حولها مجموعة شباب من مختلف منظمات ومبادرات المجتمع المدني. دارت مؤانسات المجاملة حتى أنهينا الإفطار، والذي اتفقت عليه موائد كل المدينة يوم الجمعة (عصيدة، وقراصة) وعند جلسة الشاي كانت مؤانسة شبه جادة في شكل تعارف بالمنضمين الجدد لمجال العمل التطوعي، وتعريف بنشاطهم وبقية المجموعات وأنشطتهم.. والغريب في الأمر أن تلك الأسئلة التي دارت برأسي وجدت إجاباتها برنامج عمل لبعض المجموعات في مشواري حتى تلك الدار، سألت نفسي في الوضع الطبيعي قبل الحرب كنا نعمل في مثل هذه الأيام بشراكة مع الجهات الرسمية لمكافحة نواقل الأمراض، وفي إصحاح البيئة، فكيف مصير العمل والبلد لم تندمل جراحاته، ولم تلتئم وزاراته بكل طواقمها؟ وأسئلة أخرى حول بعض المنظمات التي عملت أثناء وجود الدعم السريع ومازالت تعمل بذات الهمة والجودة في الأداء. هل سوف يتوسع مجال من يعملون في التكايا؟ ومن ظلوا يوفرون الأدوية؟ ويرممون ما دمرته الحرب من بنيان عملية التعليم؟ وغيرها من أسئلة حول دور المجتمع والجهات الرسمية.. أدهشتني مجموعة التكايا بما علمته في هذه الجلسة من تطوير وتجويد فكرة التكايا، وتحويلها في بعض الأحياء إلى وجبة إفطار للطلبة، وزيادة كمياتها في بعض الأحياء وأحياء أخرى جديدة في البعض الآخر. وكلما دار برأسي وجدت له إجابة يقف وراءها دعماً معنوياً مجموعة من شباب المدينة، ومادياً مجموعات أبناء المدينة بالمهاجر، الذين قاموا مقام الحكومة بكل تجرد ونكران ذات بدعمهم السخي نقداً وعيناً لكل الأسر بالمدينة، ولولاهم لضربت المجاعة الكثيرين.. والسؤال الأهم الذي لم أجد له إجابة: هل استعاضت حكومة الولاية عن دورها الأساسي بمنظمات المجتمع المدني؟ ولو سلمنا بذلك لِمَ الملاحقة خلف كل ما هو مدني؟ وهل يمكن أن تقوم هذه المنظمات بدور الأمن والحماية أيضاً؟ وأين المحليات ودورها في فتح المصارف وردم البرك والمسطحات؟ وأين وزارة الصحة من درء أوبئة الخريف؟ وهل اقتصرت اللجنة الأمنية دور الشرطة في تنظيم حركة المرور وإحالة دورها الدستوري والقانوني لحملات الكرتنة بالأجانب؟طرحت هذه الأسئلة في ختام مناقشاتنا علي أحفز الحضور لبذل المزيد، ولعلها تصل لأصحاب الشأن.
فرقنا صوت المؤذن للجمعة، وكانت جمعة محضورة، سعدت فيها بأنس ومعرفة شباب حاملين همك يااااا بلد. هل يطول انتظار الإجابة أم تلقى هذه الاستفهامات إجابة؟
شارك المقال