فاطمة السنوسي من رواد القصة القصيرة جداً والموقف العاطفي المعلن سردياً 

270
فاطمة السنوسي اثنين
Picture of عزالدين ميرغني

عزالدين ميرغني

• تعتبر القاصة فاطمة السنوسي , من الأوائل في الوطن العربي , في كتابة القصة القصيرة جداً (قاف . قاف . ج . ) . وقد لاقت نصوصها في ذلك الوقت قبولاً مقدراً . وسط جيل من القراء , كان يحتفي بالتجديد والتجريب في كل أجناس الأدب . رغم عدم نشرها لمجموعة كاملة لنصوصها السردية القصيرة . وما يحمد لنصوصها هي الخطاب المباشر للآخر دون مواراة أو خوف وتقية . وفي زمانها ما كانت المرأة الشاعرة لتجرؤ على ذلك . تقول في أحد نصوصها ( احتجت لبعض عقلي , فاتخذت قراراً بألا أذكرك إلا على رأس كل ساعة , لكني ألفيت نفسي اقضي العمر انتظاراً لرؤوس الساعات .. فعدلت عن القرار )).

والقاصة فاطمة السنوسي في أغلب نصوصها المنشورة في الملاحق الثقافية في زمنها , تحس بحرصها في إبقاء عنصري الجمالية الفنية والتذوقية للمتلقي , لأن زمن الكتابة عنها هو زمن الكتابة القصصية الجميلة , والتي لا تقبل تشويه القصة القصيرة وإنما المحافظة علي جمالياتها ومعاييرها المعروفة . فهي تقص وتسرد ولا تخرج من هذه الدائرة . فهي قد أضافت للقصة القصيرة حتى تكون قصيرة جداً , تقنية ( القصر السردي ) , وتقنية ( التكثيف اللغوي ) , وتقنية , ( الكثافة والإيحاء ) , ثم التركيز والاقتصاد. والأهم من كل ذلك حسن الإقفال , وهذا الإقفال مهم جدا في كتابة القصة القصيرة , وأنت لا تقرأ أي نص من نصوص الأستاذة فاطمة السنوسي , إلا وتحس بقوة القفل في نصوصها القصيرة جدا . وهذا القفل المتقن , هو جعل نصوصها مفهومة وليست غامضة مبهمة . بل هي التي تجعلك تعيد قراءة النص أكثر من مرة.

ما يميز نصوص فاطمة السنوسي , هو ابتعادها عن كتابة التوجه الفكري , المباشر , وكتبت ما يمكن أن نطلق عليه ( الموقف العاطفي المعلن ) , والإعلان هنا لا يعنى التقريرية والمباشرة , وإنما يعني قوة التعبير الذاتي والانفعالي بما أحست به من عاطفة مهما كان الحبيب , والذي قد يكون الوطن أو غيره تقول في أحد نصوصها : ( في بلاد بعيدة نظر الطبيب صورة قلبي , بالأشعة السينية , قال بانزعاج : «هناك تشوهات بالقلب» , قلت بغير انزعاج  :«ليس تشوهاً ولكن قلبي في الغربة دائماً , يتشكل بخارطة الوطن , استمع الطبيب إلي مندهشاً , وعكف علي الخارطة يدرسها بإمعان ) . فالمعنى هنا حملته اللغة السردية بعرض سردي رائع . فيه اللغة فعلية متحركة , وليست تقريرية ساذجة . وما تمتاز به نصوص فاطمة السنوسي , دخولها في نار هادئة , بعيدا عن التفخيم والمبالغة اللغوية , والتي لا يتحملها هذا النوع أو الجنس السردي . وبذلك تحس بأن المفارقة , والتي هي من أعمدة القاف قاف جيم , تأتي متدرجة , وليست فجائية , قد تذهب بالمعنى القريب الواضح . إن النص عند القاصة فاطمة السنوسي , يأتي متتابعاً ومتدرجاً , يجعلك تقرأ النص بتمهل وتؤدة , حتى تصل إلي النهاية , ولحظة التنوير الكبرى , والتي غالباً ما تكون مقفلة close ended.

تقول في أحد نصوصها ( قرأت مرة بالصحف إعلاناً , من دائرة الشرطة , برصد مكافأة لمن يدلهم علي رجل يملك إمتاع العقل والروح والعين والفؤاد في لحظة واحدة .. خنت حبيبي .. أرشدتهم إلي مكانه , وقبضت المكافأة ) . فالنهاية هنا مقفلة ( قبضت المكافأة ) , ولكنها تكتب العاطفة الصادقة فهي مكافأة في مدح الحبيب .

فالنصوص عندها لا تخضع لمزاج الآخرين , وإنما تخضع لمزاجها النفسي والعاطفي , كأنما تكتب الشعر ذو الصدق العاطفي . فهي تكتب موقفها العاطفي سرداً . فحبيبها , يمتع العقل والروح والعين والفؤاد . وهو سرد نسوى , يفتش عن روح الرجل . فالمعنى هنا في قمة حضوره والأثر العاطفي في قمة قوته . لقد كتبت القصص ذات المعنى الواحد المركز ولم تشتت ذهن القارئ في الكتابة في مواضيع مختلفة , وذلك ما يجعل نصوصها نصوص الفكرة والثيمة الواحدة , من ما يسهل قراءتها وتحليلها.

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *