
م. معتصم تاج السر
كاتب صحفي
• رغم جراح الوطن الغائرة، ورغم الموت الذي عبر البيوت بلا استئذان، والدمار الذي التهم الطرقات والمعالم، والحرب التي حصدت الزرع والضرع وكل السمح والزين.
رغم النزوح الذي شتّت القلوب في المنافي، واللجوء الذي جعل الغربة باردةً كالثلج، والتشرد الذي سرق النوم من أعين الأطفال.
يظل السودان في قلوبنا مثل نخلة باسقة، مهما كسرتها الريح ستعود لتنبت خضرةً من جديد.
إن الفعل الوحيد القادر على أن يجعل السودان دولةً من جديد ليس شعاراً يُرفع، ولا حلماً يُكتب على جدار، بل أن نعمل سوياً شيباً يحملون الحكمة ويزرعون الخبرة في عقول الأجيال، وشباباً يشعلون الطريق بالطاقة والأمل.
نساءً يصنعن الحياة في البيوت والشوارع والحقول، ورجالاً يكدّون في الأسواق والورش والمصانع.
وأطفالاً يرسمون المستقبل بألوان الفرح رغم قسوة الأيام.
فالغد المشرق المزدهر يُبنى بسواعدنا، بعرقنا، وبإيماننا أن هذا الوطن لا يستحق منا إلا الوفاء.
هنيئاً لكل سوداني عاد إلى بيته بعد غياب، إلى مزرعته بعد جفاف، إلى متجره بعد خراب. أنتم السبّاقون، أنتم الأبطال الحقيقيون الذين ينعشون قلب الوطن الحبيب، أنتم الذين تعيدون الأمل في أن السودان لم يمت، وأنه قادر أن ينهض من تحت الرماد كما طائر الفينيق.
أقبلُ رؤوس كل من أعاد طوبة في مدماك البناء، كل يد نظفت شارعاً من الركام، كل صوت ردد السلام بدل الرصاص، كل ضحكة أطلقتها أمٌّ لتُطمئن صغيرها، كل أذن استمعت لجاره بصدق، كل قلب سامح ليبني جسراً جديداً بين الناس.
هؤلاء هم حُماة السودان، هم الذين يزرعون الحُب في أرض أنهكتها الكراهية.
لقد أرسل إليّ صديقي الحبيب العليش مقطع فيديو من تجهيزاته لإعادة افتتاح متجره، لم يكن مجرد فيديو عابر، بل كان حياةً كاملة تعود لتتنفس..!
رأيت في الرفوف التي يرتبها صورة أيامي، وفي الأبواب التي يفتحها صورة أحلامي، وفي بسمته صورة وطن يريد أن يعيش.
حينها انفجرت دموعي أنهاراً، فقد أعاد إليّ ذلك الفيديو عمراً سُرق مني، وأحلاماً كنت أظن أنها دفنت تحت الركام.
حفظكم الله أخي العليش، فأنت وكل عائد وصابر لم يغادر رمزٌ لكل سوداني يرفض الاستسلام، ويصرّ أن يزرع الأمل ولو في صحن دكان صغير.
يجب أن نعود جميعاً، وأن نكون أكبر من الحرب ودُعاتها ونافخي كيرها.
نعود لنضمد جراح الفرقة والشتات والاختلاف، لنرتق نسيجنا الاجتماعي، لنعود سودانيين فقط…!
سودانيين بلا قبلية ولا جهوية.
فالسودان شامخ وعظيم، ولذلك كانت التضحيات عظيمة بعظمتك يا وطني وبعظمة شعبك.
فلنقدّر الأثمان الباهظة التي دُفعت من موت وخراب ودمار، فالكل خاسرون بلا استثناء.
فلنتوافق على مصالحة مجتمعية قاعدية شاملة، كما دعت لها حركة السودان الأخضر، فهي الطريق الوحيد ليعود الوطن موحداً متعافياً.
ثلاثة أعوام مرّت ولم يهنأ لنا عيش في المنافي القريبة والبعيدة.
لم تسحرنا كورنيشات الدوحة الوارفة، ولا أبراج دبي الباذخة، ولا سحر مانهاتن البعيدة، ولا أنس القاهرة العذبة.
كل تلك المدن لم تنسنا ولن تُنسينا حضن مقرن النيلين، ولا وجوه أهلنا الظراف اللطاف، ولا خيرنا المترادم في جوامعنا، ولا أصوات مديحنا وغنانا، ولا أفراحنا وأتراحنا التي لا تشبه إلا السودان.
أدركت حينها أن السودان لا يُبنى بالأسمنت والحجارة وحدها، بل يُبنى بالحُبّ والإصرار والصبر. يُبنى بالقلوب التي تعرف أن الوطن ليس مكاناً نسكنه فقط، بل كائن حي يسكننا نحن، يتنفس بدموعنا وضحكاتنا، ويتعافى بنا وحدنا.
فيا وطني الجريح…! سنمسح عنك دموعك، سنزرعك من جديد، سنغني لك رغم الألم، ونكتبك شعراً رغم الحزن. ستعود كما كنت، بل أجمل مما كنت، لأنك ستنهض هذه المرة من بين أيدينا نحن الذين أحببناك في الشدة قبل الرخاء.
ولأنك دائماً ستجد بيننا «عليشاً» آخر يذكّرنا بأن الحياة أقوى من الموت، وأن الأمل أبقى من الخراب.
السودان يتعافى بنا، وبنا فقط سيزدهر….
صدقاً وحباً نحن عافيتك يا وطن….
أشواقي والسلام
شارك المقال