ناجي الجندي

د. ناجي الجندي

كاتب صحفي

• بقياسات بسيطة نتدرج رويدًا رويدًا لنبحث أيهما أفضل الحكم المدني أم الحكم العسكري؟ 

وبما أن نظام الحكم هو ما يُولد نقده فنقول: العسكر فاشلون، أو تقول طائفة أخرى: المدنيون فاشلون، ولا يوجد هناك طرف ثالث.

وُجِدت مزايا للحكم المدني دعت دعاته للمناداة به ورفض أي شكل للحكم سواه، ومن هذه المزايا أنه نظام يتميز بفصل السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، والقضائية) واستقلالية تامة للقضاء، وسلطة الدولة هي سلطة الدستور ولا كبير على القانون أياً كان مركزه ونفوذه.

كما ووُجدت مزايا للحكم العسكري دعت دعاته للمناداة به ورفض أي شكل للحكم سواه، ومن هذه المزايا الانضباط والتنظيم وسرعة اتخاذ القرار وحماية الدولة من المتسلقين والمعتدين. والانحياز للشعب في حال تدهور الأوضاع في الدولة المعنية إبان الحكم المدني فيها.

تُعدُ أميركا دليل نجاح لتجربة الحكم المدني من أعظم دول العالم، وهي نموذج لنجاح هذه التجربة المدنية الديمقراطية والتي لا تغفل عنها عين، كم وتُعدُ تركيا دليل نجاح للحكم المدني فهي اليوم من الدول المتقدمة، والمتطورة، فتركيا تشهد تطورًا ملحوظًا في مختلف المجالات، بما في ذلك التكنولوجيا، والاقتصاد، والصناعة، وغيرهما الكثير من الدول التي نجحت في هذا النظام من الحكم مثل فرنسا، وإسبانيا، واليابان، وألمانيا، وإيطاليا، وكندا.

الدولة الإسلامية في صدر الإسلام كانت عسكرية، ونجحت في إدارة كل شئون الإمبراطورية الإسلامية حتى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وتوسعاته المعلومة، وعدل الخلفاء قبله وبعده حتى أن الطير كان لا يجوع في عهودهم، روسيا من أكبر اقتصاديات العالم رغم العقوبات المفروضة عليهم من العام 1991 وهي دولة مكبلة، لكنها متقدمة على دول العالم في أكثر من منحى وحكمها عسكري، العصر الذهبي لليبيا كان إبان حكم عسكري (القذافي)، وكان حتى الأجانب يحصلون على المواد التموينية بالمجان ومنها ما هو شبه مجان، والعصر الذهبي لليمن كان إبان حكم عسكري (علي عبد الله صالح)، وكان العرب يسافرون لليمن للتوظيف وتحسين حياتهم، وكان العصر الذهبي للعراق في ظل حكم عسكري (صدام حسين)، حتى أن العراق كانت في عهده قوة عسكرية واقتصادية، ففي 1989 كان العراق أقوى اقتصاد في الشرق الأوسط، وحتى سوريا كانت قوة في العهد العسكري (حافظ وبشار الأسد)، ولا أدل من أن سوريا كانت ملاذًا للكثيرين سياحةً وعلاجًا ورغد عيش.

الستراتوقراطية (الحكم العسكري) ليس بجديد وليس من المهم والمؤكد أن كل حكم عسكري هو حكم فاشل، كما وأنه ليس من الضروري أن كل حكم مدني هو حكم ناجح، الارتباط الوحيد هو المجتمع، فالشعب الفاشل ينتج حكومة عسكرية أو مدنية فاشلة، والمجتمع الناجح هو من يولد حكومة عسكرية أو مدنية ناجحة، فلما كان المجتمع مجتمع وعي ويترفع عن الإيدولوجية والقبلية والإثنية والطائفية، ويضع الدولة هي همه الشاغل، ويفكر في الوطن قبل أن يفكر في مصالحه، وفي المواطن قبل حزبه وجماعته، حينها يصلح الحكم أياً كان، فقد نجحت الحكومات الملكية والأميرية والعسكرية والمدنية في دول كانت شعوبها تترفع بقيمها وعلمها ووعيها، ولنا في تجربة بريطانيا وروسيا وتركيا ونيجيريا والأرجنتين هذه الدول التي تحررت من حكم الطائفة والأيدولوجيا والقبيلة إلى الحكم الملكي والمدني والعسكري.

لذلك يظل الطرف الثالث هنا هو المجتمع، فبناء المجتمع هو من صناعة المجتمع نفسه، ولنرتقي إلى هذا الوعي، فلا بد لنا أن ننبذ التطرف بأشكاله كلها، التطرف الديني والطائفي والقبلي، لنصبح مجتمعًا معافى من هذه الأمراض، وسنبني بعدها الدولة التي نريد، فنحن في السودان لم نتقدم في ظل كل أنواع الحكومات (مدني عسكري ملكي)، ذلك لأننا مجتمع منقسم حول الطائفة والقبيلة وغيرها، ونقدم كل هذا على الوطن ما يُنقص الوعي الجمعي لدينا، ولا أدل على ذلك من تجربة الحرب الدائرة الآن في السودان، فالعسكر  يتحارب في الميدان وبقية الشعب يتحارب في الميديا، كل مع جماعته وحزبه وطائفته وإن أجرموا، والساقط هو الوطن.

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *