يوسف عبدالرضي2

يوسف عبدالرضي

شاعر وكاتب صحفي

• في قرانا السودانية كانت هناك طقوس اندثرت مع الزمن، لكنها ما زالت حاضرة في ذاكرتنا مثل شريط لا يبهت. واحدة من تلك الطقوس ما نعرفه باسم «قد الجلد»، وهو احتفال بسيط لكنه مليء بالفرح والدفء والإنسانية.

قد يتساءل البعض: ما معنى «قد الجلد»؟

هو ببساطة عملية تجهيز عنقريب القد (السرير التقليدي) بشده بشرائح من جلد الثور، تُقطع بعرض بوصة أو أقل. والكلمة نفسها مأخوذة من القديد، أي اللحم المقطع شرائح، كما ورد في الحديث الشريف: «أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد».

لكن «قد الجلد» لم يكن مجرد عمل يدوي. كان طقسًا اجتماعيًا بامتياز. يبدأ منذ أن يُحجز الجلد من الجزار قبل أسابيع، ثم يأتي يوم التنفيذ الذي غالبًا ما يكون في الضحى. 

وحين ترى رجالًا مثل يوسف ود حمد، فكي جبريل، عزالدين ود أحمد الريح، وأبو تريمه مجتمعين، تدرك فورًا أن اليوم هو يوم «قد جلد».

الأطفال أيضًا كانوا جزءًا من هذه المناسبة. يقتربون في فضول ليسترقوا السمع إلى ضحكات الرجال وحديثهم المتهامس، حتى إذا انتبهوا لوجودهم قالوا لهم: «ها جنا، أمش شوف الفطور قِضي». 

وهناك، في البيت، كانت الأمهات والخالات والحبوبات في بهجة، فاليوم ميلاد عنقريب جديد.

ولا تكتمل الصورة دون المائدة السودانية البسيطة، حيث تفوح رائحة ملاح اللوبيا، فتتعالى ضحكات النساء، وتخرج النكات والعبارات الخفيفة التي تُحفظ في الذاكرة مثل الأهازيج. كان كل شيء بسيطًا، لكنه كان عميقًا في معناه: مشاركة، حب، وفرح بالحياة.

أما النساء، فكنّ أيقونات ذلك الزمن: بت المنصور، بنات الريح، أم سترين، وأمينة. كل واحدة منهن تركت فينا أثرًا جميلاً بكلمتها الحنونة وضحكتها الصافية، وكرمها في إكرام الأطفال بعبارة: «كُل يا عينيّا».

هكذا كانت أيامنا.. صفاء ممتد، ودفء إنساني لم تنجح السنين في محوه. 

نحتفل بميلاد عنقريب جديد كما لو كان عيدًا. رحم الله أمهاتنا اللواتي رحلن، وأطال الله في أعمار من بقين بيننا.

كنا نفرح لأبسط التفاصيل، وعندما يدخل الحزن كان يبقى بيننا زمنًا أطول.

أما آن لهذا النقاء أن يبقى بيننا؟

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *