فن التسليم للحياة: حكمة العيش وسط العواصف من فلسفات العالم إلى الحرب السودانية
Admin 22 أغسطس، 2025 40
أ. د. فيصل محمد فضل المولى
أكاديمي وباحث مستقل
مدخل إلى مفهوم التسليم
• في عالمنا المزدحم بالضغوط والتوقعات، نُربّى على فكرة أن السيطرة على مسار حياتنا هي مفتاح النجاح. نخطط، نُجاهد، نُقاوم، ونحاول جاهدين أن نمسك بكل الخيوط في أيدينا، وكأن الفشل في التحكم هو هزيمة شخصية. غير أن الحكماء والفلاسفة على مر العصور أدركوا أن هناك وجهًا آخر للحياة؛ وجهًا أقل صخبًا وأكثر عمقًا، يقوم على التسليم – لا بمعنى الاستسلام السلبي، بل بمعنى الانفتاح على إيقاع الطبيعة وترك الحياة تسير في مجراها.
التسليم هنا ليس نقيض العمل أو الطموح، بل هو توازن دقيق بين بذل الجهد والقبول بما لا يمكن تغييره. إنه إدراك أن بعض الأبواب تُفتح فقط حين نتوقف عن الطرق العنيف، وأن النهر يصل إلى البحر ليس لأنه يقاتل الصخور، بل لأنه يتدفق حولها.
التسليم في الفلسفة الشرقية
أبرز من تحدث عن فن التسليم كانوا حكماء الشرق، خاصة في فلسفة التاو الصينية. في كتاب التاو تي تشينغ للفيلسوف لاوتسه، نقرأ عن فكرة «وو وي» (Wu Wei)، وهي مبدأ عدم الفعل القسري، أو بمعنى آخر، الفعل في انسجام مع طبيعة الأشياء دون مقاومة عنيفة. يشبه لاوتسه الحياة بالنهر، وينصح الإنسان بأن يكون مثل الماء: مرنًا، متدفقًا، يتجنب الصدام حين لا ضرورة له، ويجد طريقه دومًا.
في البوذية، نجد مفهوم «السامسارا» (Samsara) الذي يشير إلى دورة الميلاد والموت، حيث لا يمكن للإنسان أن يكسر سلسلة المعاناة إلا من خلال التقبل العميق لطبيعة الحياة. التسليم هنا ليس ضعفًا، بل وعي بأن محاولة التحكم المطلق في أحداث الحياة هو مصدر معاناة لا تنتهي.
التسليم في التراث الإسلامي
في الثقافة الإسلامية، نجد التسليم في قلب العقيدة نفسها من خلال مفهوم التوكل. فالآية الكريمة تقول: «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» (الطلاق: 3). والتوكل لا يعني ترك الأسباب، بل يعني العمل مع الأخذ بكل الوسائل الممكنة، ثم ترك النتائج لمشيئة الله.
الإمام ابن القيم الجوزية كتب في مدارج السالكين أن التوكل «جمع بين اعتماد القلب على الله وأخذ الأسباب المشروعة». هذا المبدأ يعكس جوهر فن التسليم: التفاعل الإيجابي مع الحياة، دون التعلق المَرَضي بالنتائج.
التسليم في الفلسفة الغربية
حتى الفلاسفة الغربيين لم يغفلوا عن هذا المبدأ. الرواقيون، مثل ماركوس أوريليوس، تبنوا فكرة قبول ما لا يمكن تغييره، واعتبروا أن الاضطراب الداخلي لا يأتي من الأحداث نفسها، بل من حكمنا عليها. في تأملاته، كتب ماركوس: «تقبل كل ما يأتيك من نسيج القدر، لأنه منسوج لك بعناية من قبل الطبيعة نفسها».
الفيلسوف الألماني إبكتيتوس لخص الفكرة بقوله: «ليست الأشياء هي التي تضايقنا، بل آراؤنا عنها». وهنا، يصبح التسليم أداة للتحرر من التوتر، إذ يدرك الإنسان أن جزءًا كبيرًا من معاناته هو نتيجة مقاومته لما هو خارج عن إرادته.
دروس من التاريخ
التاريخ حافل بأمثلة لأشخاص مارسوا التسليم للحياة دون أن يتخلوا عن الفعل:
• غاندي – زعيم حركة التحرر الهندية، تبنى سياسة اللاعنف، مسلّمًا بأن الطريق الأقوى ليس الصدام الدموي، بل الصبر والمثابرة، حتى تحررت الهند.
• نيلسون مانديلا – قضى 27 عامًا في السجن، وكان يمكنه أن يخرج حاقدًا، لكنه سلّم لفكرة أن السلام والمصالحة هما السبيل الوحيد لإعادة بناء جنوب أفريقيا.
• إبراهيم لينكولن – خلال الحرب الأهلية الأمريكية، أدرك أن بعض المعارك السياسية لا تُحسم بالقرارات العاجلة، بل بالصبر وترك الظروف تنضج لتخلق توافقًا وطنيًا.
هؤلاء القادة لم يكونوا سلبيين، لكنهم عرفوا متى يتركون مجرى الحياة يقودهم بدلًا من محاربته بلا طائل.
الفرق بين التسليم والاستسلام
قد يخلط البعض بين التسليم والاستسلام، لكن الفرق بينهما جوهري.
الاستسلام هو التخلي عن الجهد واليأس من التغيير، بينما التسليم هو بذل ما يمكن ثم القبول بما يأتي، دون صراع داخلي. التسليم هو أن تخطط، تعمل، وتجتهد، لكن حين تأتي النتائج مختلفة، لا تنهار ولا تغرق في اللوم، بل تعيد ضبط اتجاهك.
التسليم في الحياة اليومية
يمكن تطبيق فن التسليم في مواقف بسيطة:
• عند تأخر وسيلة المواصلات، بدل الغضب، استغل الوقت في قراءة أو تأمل.
• عند فقدان فرصة عمل، اعتبر الأمر بداية لمسار جديد قد يكون أكثر ملاءمة.
• في العلاقات الإنسانية، تقبل أن الآخرين ليسوا نسخة مثالية من توقعاتك.
بهذا، يتحول التسليم من فكرة فلسفية مجردة إلى ممارسة يومية تخلق راحة داخلية.
البعد النفسي للتسليم
من منظور علم النفس، التسليم يقلل من التوتر والقلق. الدراسات في مجال العلاج بالقبول والالتزام (Acceptance and Commitment Therapy) تؤكد أن تقبل الأفكار والمشاعر بدلاً من مقاومتها يخفف من حدة القلق والاكتئاب.
علم الأعصاب يوضح أيضًا أن حالات الاسترخاء الناتجة عن التسليم تقلل نشاط الجهاز العصبي الودي (Sympathetic Nervous System)، المسؤول عن استجابة «القتال أو الهروب»، مما يحافظ على صحة القلب والجهاز المناعي.
تحديات التسليم في العصر الحديث
في عصر السرعة والإنجازات اللحظية، يصبح التسليم تحديًا. وسائل التواصل الاجتماعي تُغذي الوهم بأننا نستطيع التحكم في كل شيء، من صورتنا أمام الآخرين إلى أدق تفاصيل حياتنا. لكن هذا الوهم يقود إلى إنهاك نفسي، لأن الواقع أعقد بكثير.
التسليم، في هذا السياق، يصبح مهارة مقاومة للإرهاق المجتمعي، ووسيلة للحفاظ على التوازن وسط العاصفة.
خطوات عملية لتبني فن التسليم
1. التفريق بين ما يمكن تغييره وما لا يمكن تغييره – استخدم قاعدة «دائرة التحكم» لستيفن كوفي: ركّز على ما تستطيع فعله، وتقبّل الباقي.
2. الممارسة اليومية للتأمل – دقائق من الصمت تساعد على تهدئة الذهن ورؤية الصورة الأكبر.
3. إعادة صياغة الأحداث – بدلًا من رؤية المواقف كعقبات، انظر إليها كفرص للتعلم.
4. إيجاد الإيقاع الشخصي – لا تدع جدول الآخرين يملي عليك حياتك، بل ابحث عن نسق يناسبك.
5. التدرّب على الصبر – لا تتوقع نتائج فورية، فالأشياء العميقة تحتاج وقتًا لتنضج.
قراءة المقال في سياق الحرب السودانية والأزمات السابقة
حين ننظر إلى السودان اليوم، وسط الحرب المستعرة منذ أبريل 2023 وما سبقها من عقود من النزاعات والانقلابات، يبدو مفهوم التسليم للحياة ملحًا أكثر من أي وقت مضى. كثير من السودانيين يعيشون في ظروف خارجة عن سيطرتهم: انقطاع الكهرباء والمياه، فقدان المأوى، التهجير القسري، فقدان الأحبة، وتشتت الأسر بين الداخل والخارج.
التسليم في هذا السياق لا يعني الرضا بالظلم أو التوقف عن السعي للتغيير، بل يعني إيجاد مساحة نفسية داخلية تمنع الانهيار وسط الفوضى. هو القدرة على التكيف مع الواقع القاسي دون فقدان الأمل، والبحث عن فرص للبناء حتى في قلب الخراب.
الأزمات السابقة في السودان، مثل المجاعة في الثمانينيات أو الحرب الأهلية قبل اتفاقية السلام، علمت الأجيال أن التشبث بالأمل والمرونة النفسية هما سر البقاء. واليوم، يمكن لفن التسليم أن يكون أداة لتعزيز الصمود، خاصة لمن يعيشون في مناطق النزاع أو في مخيمات النزوح، حيث التخطيط طويل المدى شبه مستحيل، لكن القدرة على التأقلم اللحظي تمنح قوة للاستمرار.
في المهجر أيضًا، يمارس السودانيون شكلًا من أشكال التسليم، إذ يقبلون بواقع الغربة ويبحثون عن طرق لدعم أهلهم من بعيد، مستندين إلى قناعة أن التغيير الجذري يحتاج وقتًا، وأن الحفاظ على الروح والعلاقات هو أول أشكال المقاومة.
فن التسليم للحياة ليس دعوة للتقاعس أو الانسحاب من مسؤولياتنا، بل هو انفتاح على حقيقة أن الكون أعظم من قدرتنا على التخطيط له بالكامل. حين نفهم هذا، نصبح أقدر على العيش بانسجام، ونترك للحياة مساحتها لتفاجئنا بالجمال الكامن في مسارات لم نكن نتخيلها.
لقد علّمنا التاريخ والفلسفة والعلوم أن مقاومة التيار الطبيعي للحياة غالبًا ما تُنهكنا دون جدوى، بينما الانسجام معه يمنحنا قوة هادئة ووضوحًا داخليًا. وكما قال لاوتسه: «الحياة سلسلة من التغييرات الطبيعية والعفوية. لا تقاومها، فهذا يخلق الحزن. دع الواقع يكون الواقع. دع الأشياء تتدفق كما هي بطريقتها الخاصة».
إلى كل سوداني يعيش اليوم بين أزيز الرصاص أو بين جدران الغربة، اعلم أن فن التسليم للحياة ليس نسيانًا للجراح، بل هو طريقة لحماية قلبك وعقلك وسط العاصفة. في الداخل، قد يعني التسليم أن تحافظ على إنسانيتك رغم قسوة الظروف، وأن تجد لحظات صغيرة من الفرح مع عائلتك أو جيرانك، مهما كان المحيط مليئًا بالخوف.
وفي المهجر، قد يعني التسليم أن تتقبل المسافة والحنين، وتحوّل الشوق إلى قوة لبناء مستقبل أفضل، سواء بالعلم، أو الدعم المادي، أو حمل صورة السودان في قلبك أينما ذهبت. إننا جميعًا – من بقي في الوطن أو خرج منه – نعيش فصلًا طويلًا من الألم، لكن التسليم يجعلنا قادرين على السير خطوة بخطوة، حتى يأتي اليوم الذي نجد فيه الوطن وقد استعاد عافيته.
التسليم هنا ليس صمتًا أمام الظلم، بل حكمة البقاء حتى يحين وقت الفعل، وحينها سنكون أقوى، لأننا تعلمنا كيف نتماسك حين أراد الخراب أن يفرقنا.
شارك المقال