صقور الجديان.. رحلة التميز والتألق في بطولة أمم أفريقيا للمحليين (الشان)

27
صور الجديان
Picture of بقلم: الصادق علي محمد أحمد

بقلم: الصادق علي محمد أحمد

إنجاز تاريخي في مسيرة كرة القدم السودانية

• شكل تأهل منتخب السودان للمحليين لدور ربع نهائي بطولة أمم إفريقيا للمحليين (الشان) 2024 بإصدارها الثامن، حدثاً تاريخياً يستحق التوقف والتحليل، خاصة وأن صقور الجديان تمكنوا من تصدر المجموعة الرابعة التي ضمت منتخبات قوية مثل حاملة اللقب السنغال ونيجيريا والكونغو. جاء هذا الإنجاز بعد أداء متميز خلال منافسات دور المجموعات، حيث جمع المنتخب السوداني 5 نقاط من فوز واحد وتعادلين، ليتصدر المجموعة بفارق الأهداف أمام السنغال حاملة اللقب التي احتلت المركز الثاني.

تعكس هذه النتائج تطوراً ملحوظاً في أداء كرة القدم السودانية بشكل عام واللاعبين المحليين بشكل خاص، خاصة في بطولة تركز على المواهب المحلية التي لا تحظى عادة بالاهتمام الإعلامي نفسه الذي تحظى به منتخبات كرة القدم الأولى. يأتي هذا الإنجاز في بطولة تستضيفها ثلاث دول شرق أفريقية هي كينيا وتنزانيا وأوغندا خلال الفترة من 2 إلى 30 أغسطس 2025، في أول تنظيم ثلاثي من نوعه للبطولة القارية الخاصة باللاعبين المحليين.

الخلفية التاريخية والمسار القاري للسودان

يحمل منتخب السودان لكرة القدم تاريخاً عريقاً في المسابقات القارية، حيث توج بطلاً لكأس أمم إفريقيا عام 1970، مما يجعله أحد المنتخبات الأفريقية التي تركت بصمتها في تاريخ الكرة القارية. أما في بطولة أمم إفريقيا للمحليين (الشان)، فقد كانت مشاركة السودان محدودة لكنها لافتة، حيث شارك في نسختين فقط قبل النسخة الحالية.

أفضل إنجاز للمنتخب السوداني في بطولة الشان كان في نسخة 2011 عندما استضاف السودان البطولة وحقق المركز الثالث، مما يظهر أن المنتخب السوداني قادر على المنافسة والتفوق عندما يحظى بالتحضير الجيد والاستعداد المناسب. جاءت مشاركة السودان في نسخة 2022 في الجزائر دون تحقيق نتائج بارزة، مما جعل الإنجاز الحالي في نسخة 2024 مفاجئاً للكثيرين من المتابعين للشأن الكروي الأفريقي.

رحلة التصفيات والتأهل إلى النهائيات

مر المنتخب السوداني برحلة تصفيات صعبة لتأمين مقعده في النهائيات، حيث خاض جولتين متتاليتين في التصفيات القارية. في الجولة الأولى، واجه المنتخب السوداني نظيره التنزاني حيث فاز في مباراة الذهاب على أرضه بنتيجة 1-0، قبل أن يخسر في مباراة الإياب في تنزانيا بنتيجة 1-0، ليتأهل بركلات الترجيح للدور الثاني من التصفيات.

في الجولة الثانية من التصفيات، واجه المنتخب السوداني نظيره الإثيوبي حيث حقق فوزاً صعباً على أرضه بنتيجة 2-0 في مباراة الذهاب، قبل أن ينتصر مرة أخرى في مباراة الإياب التي أقيمت في مدينة بنغازي الليبية بسبب الظروف الأمنية في السودان بنتيجة 2-1، ليتأهل إلى النهائيات بشكل مستحق. أظهرت رحلة التصفيات قوة معنوية عالية للمنتخب السوداني وقدرته على تجاوز الصعاب وتحقيق النتائج الإيجابية حتى في الظروف الصعبة.

أداء المجموعات: تحليل مفصل للمباريات

المباراة الأولى: التعادل مع الكونغو (1-1)

بدأ منتخب السودان مشواره في البطولة بمباراة صعبة أمام منتخب الكونغو حيث انتهت المباراة بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله. أظهر المنتخب السوداني في هذه المباراة صمود دفاعي ملحوظ وقدرة على التحمل، خاصة في الأوقات الصعبة من المباراة. كان هذا التعادل نقطة مهمة في بداية المشوار، حيث أظهر أن المنتخب السوداني قادر على المنافسة وعدم الخضوع بسهولة أمام المنتخبات الأخرى.

المباراة الثانية: الفوز الكبير على نيجيريا (4-0)

شكلت المباراة الثانية أمام نيجيريا نقطة تحول في مشوار المنتخب السوداني، حيث حقق فوزاً كبيراً برباعية نظيفة دون رد. سجل ليونارد دجينج هدفاً في مرماه لصالح السودان في الدقيقة 25، قبل أن يضيف ولي الدين خضر الهدف الثاني من ركلة جزاء في الدقيقة 44. في الشوط الثاني، أضاف عبد الرؤوف يعقوب هدفين في الدقيقتين 55 و62 ليحسم المباراة لصالح السودان.

كان هذا الفوز مفاجئاً للكثيرين خاصة أن نيجيريا تعتبر من المنتخبات التقليدية في كرة القدم الأفريقية. أظهر السودان في هذه المباراة قوة هجومية كبيرة ودقة في إنهاء الهجمات، كما برز الصمود الدفاعي الذي منع نيجيريا من تسجيل أي أهداف. هذا الفوز هو الأكبر في البطولة حتى الآن، ووضع السودان في صدارة المجموعة الرابعة برصيد 4 نقاط.

المباراة الثالثة: التعادل السلبي مع السنغال (0-0)

في المباراة الحاسمة أمام حاملة اللقب السنغال، أظهر المنتخب السوداني نضجاً تكتيكياً ملحوظاً، حيث تمكن من التعادل سلبياً مع المنتخب السنغالي القوي، ليضمن صدارة المجموعة الرابعة ويتأهل لدور ربع النهائي. 

على الرغم من أن المباراة شهدت تبادلاً للهجمات بين الفريقين، إلا أن الدفاع السوداني كان صامداً أمام هجمات السنغال، كما أن الهجوم السوداني كان قادراً على إحداث بعض الخطورة على مرمى السنغال.

القوة الدفاعية والتماسك التكتيكي

تميز المنتخب السوداني خلال مشواره في دور المجموعات بتماسك دفاعي ملحوظ، حيث استطاع الحفاظ على شباكه نظيفة في مباراتين من أصل ثلاث مباريات. لم يتلقَ سوى هدف واحد فقط في ثلاث مباريات، مما يظهر قوة الخط الدفاعي والتركيز التكتيكي العالي. 

شكل الدفاع الصلب أساساً للأداء الناجح للمنتخب السوداني، حيث استطاع الصمود أمام منتخبات قوية مثل السنغال ونيجيريا والكونغو.

القوة الهجومية والتنوع في خط الهجوم

على الرغم من أن المنتخب السوداني سجل خمسة أهداف فقط في ثلاث مباريات، إلا أن تنوع مصادر التسجيل يظهر قوة هجومية متعددة الأوجه. سجل الأهداف خمسة لاعبين مختلفون (بالإضافة إلى هدف عكسي من الخصم)، مما يجعل من الصعب على الفرق المنافسة تركيز مراقبتها على لاعب أو اثنين فقط. هذا التنوع في الهجوم يجعل المنتخب السوداني أكثر خطورة وقدرة على اختراق أي دفاع.

القوة البدنية والتركيز الذهني

أظهر لاعبو المنتخب السوداني لياقة بدنية عالية وقدرة على الاستمرار في الأداء الجيد حتى الدقائق الأخيرة من المباراة. كما أظهروا تركيزاً ذهنياً عالياً، خاصة في المباراة الصعبة أمام السنغال، حيث حافظوا على تركيزهم الدفاعي وعدم ارتكاب أخطاء قد تكلفهم نقاط المباراة. هذه العوامل النفسية والبدنية كانت حاسمة في تمكن المنتخب من تحقيق هذه النتائج المتميزة.

اللاعبون البارزون وأدوارهم المحورية

محمد عبد الرحمن «الغربال»

رغم غيابه عن المباريات الأخيرة، يعد محمد عبد الرحمن، مهاجم نادي الهلال السوداني، أبرز لاعبي المنتخب السوداني وثالث الهدافين التاريخيين للسودان. يتمتع بخبرة كبيرة نظراً لتجربته مع الأندية في السودان وخارجها، مما ساعد المنتخب في الهجمات واللحظات الحاسمة. دوره كان أساسياً في توجيه زملائه وتنظيم الهجمات، خاصة في المباريات الصعبة.

ولي الدين خضر

سجل ولي الدين خضر (بوغبا) الهدف الثاني من ركلة جزاء في مرمى نيجيريا، مما ساعد المنتخب في السيطرة على مجريات المباراة. يتميز بقوة التسديد والدقة في تنفيذ الركلات الثابتة، مما يجعله أحد الأسلحة المهمة للمنتخب السوداني في المراحل المقبلة من البطولة.

عبد الرؤوف يعقوب

سجل عبد الرؤوف يعقوب هدفين حاسمين في مرمى نيجيريا، مما ساهم بشكل مباشر في الفوز الكبير الذي حققه المنتخب السوداني. يتميز يعقوب بالسرعة والمهارة في الاختراق والقدرة على إنهاء الهجمات بدقة عالية، مما يجعله أحد اللاعبين المهمين في الجهة الهجومية للمنتخب.

القيادة الفنية: دور المدرب كواسي أبياه

يتولى تدريب المنتخب السوداني المدرب الغاني جيمس كواسي أبياه (64 عاماً)، الذي تعاقد معه الاتحاد السوداني لكرة القدم في سبتمبر 2023 خلفاً للمدرب المغربي بادو الزاكي. سبق لأبياه أن درب عدة أندية مهمة مثل نادي أشانتي كوتوكو الغاني ونادي الخرطوم السوداني، حيث حقق نجاحاً ملحوظاً مع النادي السوداني خلال الفترة الممتدة بين 2014-2017.

يتمتع أبياه بخبرة تدريبية كبيرة، حيث سبق له تدريب منتخب غانا الأول خلال الفترة بين 2012-2014، ولعب دوراً كبيراً في تأهل منتخب بلاده إلى كأس العالم 2014 بالبرازيل. هذه الخبرة الدولية كانت واضحة في الأداء التكتيكي المنظم للمنتخب السوداني، خاصة في المباراة أمام السنغال حيث أظهر تكتيكاً دفاعياً محكماً وخططاً مضادة فعالة.

يعتمد أبياه على أسلوب متوازن يجمع بين الصلابة الدفاعية والمرونة الهجومية، مع التركيز على الاستفادة من نقاط قوة اللاعبين وتغطية نقاط الضعف. كما يتميز بقدرته على تحفيز اللاعبين ورفع روحهم المعنوية، خاصة في الظروف الصعبة التي يمر بها السودان بشكل عام.

التحديات والفرص المستقبلية

واجه المنتخب السوداني عدة تحديات كبيرة في طريق تألقه في البطولة، أهمها:

– الظروف السياسية والأمنية في السودان التي أثرت على التحضير للبطولة واضطرت الفريق لخوض بعض المباريات خارج السودان.

– قلة الموارد المالية مقارنة ببعض المنتخبات الأخرى التي تتمتع بدعم مالي أكبر.

– ندرة المشاركات الدولية للمنتخب السوداني في البطولات القارية والعالمية، مما يعني قلة الخبرة عند بعض اللاعبين في المواقف الدولية الحاسمة.

على الرغم من هذه التحديات، فإن الأداء المتميز للمنتخب السوداني في البطولة يفتح عدة فرص مهمة:

– اكتشاف مواهب جديدة يمكن أن تنضم للمنتخب الأول في المستقبل وتزيد من قوته التنافسية.

– جذب الاهتمام الدولي باللاعبين السودانيين وفتح فرص للاحتراف خارجياً.

– رفع مكانة الكرة السودانية أفريقياً وعالمياً، وجذب الدعم والاستثمارات للكرة المحلية.

– تعزيز الروح الوطنية ورفع المعنويات في السودان خلال الفترة الصعبة التي يمر بها البلد.

إنجاز تاريخي وخطوة نحو المستقبل

يمثل تأهل منتخب السودان للمحليين لدور ربع نهائي بطولة أمم إفريقيا للمحليين (الشان) 2024 إنجازاً تاريخياً لكرة القدم السودانية، خاصة وأنه جاء من مجموعة صعبة وبتصدرها أمام حاملة اللقب السنغال. 

هذا الإنجاز هو ثمرة جهد متواصل وتخطيط استراتيجي من الاتحاد السوداني لكرة القدم والمدرب كواسي أبياه وطاقمه الفني.

الأداء المتميز للمنتخب السوداني في البطولة يبعث رسالة أمل للشعب السوداني بأنه قادر على تجاوز التحديات والصعاب وتحقيق الإنجازات حتى في أحلك الظروف. كما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التطور والازدهار للكرة السودانية، يمكن أن تضع السودان مرة أخرى على خريطة كرة القدم الأفريقية بشكل لائق ومشرف.

في دور ربع النهائي، ينتظر المنتخب السوداني مواجهة منتخب الجزائر في مواجهة عربية خالصة، التي ستكون اختباراً حقيقياً لقدرات المنتخب السوداني وفرصة أخرى لمواصلة رحلة التميز والإبداع في البطولة. 

فهل يكتب صقور الجديان تاريخاً جديداً يفتح الباب أمام مستقبل مشرق للكرة السودانية؟.

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *