

محمد بوزرواطة - الجزائر
-01-
عــلَّق الروائي السوداني «أمير تاج السر» بلهجَةٍ تشوبُها الدُعابة والمرارة في صفحته على «الفيسبوك» ، على فوز الكاتبة الفرنسية «آني إرنو»( 82عاما) والمُتوّجَة بجائزة نوبل عام(2022) قائلا :«حينما أَصِلُ إلى هذه السِّن سأكونُ مُحاطًا برُكَامٍ من الأدوية، وبجُمْلةٍ من الأمراض المُزمِنة التي عادةً ما تطاردُ الكاتب العربي في مثل هذه السِّن المُتقدِّمة،وتقضُّ مضجعُه،وهو يُصارع أشباحَ الوِحدة والموت».
-02-
والحقيقية أن «أمير تاح السر»(1960)، وَضَعَ المِبْضَع على الجرح كما يُقال، فالكاتب العربي كائن منذور-منذ الولادة- للشقاء والتعاسة الأبدية، ويتفاقم الوضع أكثر إذَا أضْحَى هذا الكاتب شيخاً هرِماً، لم تعُد تُطاوِعُه قدماه على المشي أو يدَه على الكتابة، مثلما حدث لنجيب محفوظ إثْر تعرُضه لاعتداءٍ سافر على الرقبة في أكتوبر عام 1994، أو مثلما تعرّض شهيد الفكر التقدمي «حسين مروة»، وهو في سنِّ الثمانين لمرض «باركنسون» أو الرُعاش، وحَالَ -هذا الداء العُضال- بينه وبين الاستمرار في عملية الكتابة،لذلك لجأ إلى الإملاء لإتمام الجزء الثالث من كتابه الشهير «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية»، لكن سَدنَة «الظلام» أوقفُوا هذا السَّيل المنهمر من الأفكار المضيئة برصاصاتهم الغادرة يوم السابع عشر فبراير من عام 1987، كان همُّ «حسين مروة» ومبتغاهُ أن تَصِل كلمته مُدويّةً للآخرين، مهما كلفه الثمن ،أو أقعدته محنة الوجع المستديم، أو تقادَمت به رحلة الشهور والأعوام، فالكاتب أو المفكر الخلاّق، على نحوٍماَ، يحمل معه دوماً أجراسَ التنبيه لإيقاظ الغافلين، رافِعاً في كل حين، رايات الرفض والاحتجاج، كحَمَلةِ المشاعل في الدروب والأزقة المظلمة.

والظاهر أنَّ تأثير الشيخوخة على الكاتب العربي ،أضحت أكثر ضرواة وقساوة،من ذي قبل إذا ما قُورنت بنظيره في الضفة الأخرى من العالم الغربي،وإذَا ماعرفنا أن أعراض الشيخوخة في وطننا العربي، تظهر مُبكرا على وُجوه كُتابنا وهم يتعدّون عتبة السبعين،فيُصابُ الجسد-إثرها- بالوهن، وتتعطّل بقيّة الحواس الأخرى عن أداء وظائفها المعتادة، فينكمش-بالتالي- الكاتب العربي على نفسه، في مكانٍ قصي، لائِذًا بصومعته وحيداً يجترُّ الذكريات والأحلام الطفولية المُنقضية، بلا رجعةٍ في صمتٍ بليغ.

-03-
كان» الماغوط»(1934-2006) رحمه الله يتمنّى أن يموت في سن التاسعة والثلاثين ، موتاً شبيهاً بموت «السيّاب»(1964) ، دون أن يترُك فرصة سانحة لأعراض الشيخوخة أن تستبدَّ به أو تحاصره في كل الاتجاهات، وبَدلَ أن يقَع فريسةً سهلةً في براثن الشيخوخة وأمراضها المُستعصية،المُصاحِبة للوهن والعجز والنسيان؟
في الجزائر ثمَّة حالات مُشابهة للحالة «الماغوطية»،فقد قضَى الشاعر الجزائري «أبوإلياس» بقيةً من عُمره في مأوى للشيخوخة والمُسننين ب»دالي ابراهيم»، بالجزائر العاصمة، حيث مات هناك يلُوك أحزانه وذكرياته في صمتٍ وعزلة قاتلة.
مات»ابن سليمان العيّاشي»-اسمه الحقيقي- مغمُوماً في أتعس حالاته دون رِفقة أو أنيس، ولَولَا جهود اتحاد الكتاب الجزائريين –آنذاك-في تلك الفترة العصيبة،من بداية التسعينيات من القرن الماضي،في انتشال وإنقاذِ قصائد الشاعر ونشرِها في ديوان مستقل -ديوان ملجأ الحلم- لَضَاعَت جُلُّ قصائدُ «سليمان العياشي» وذهبت أدراج الرياح، المفكر الجزائري « حمودة بن ساعي» صديق مالك بن نبي والكاتب الفرنسي «أندري جيد» ماتَ هو أيضا مهمومُا والغُصّة تأكُل حلقَه، في بيتٍ وحيدٍ، معزولاً عن «الآخرين»في جيجل بالشرق الجزائري وقد تَعاوَرته العِلل والأمراض المُزمنة.

-04-
حظُّ الكاتب العربي، في عالمنا العربي تعيسُ ومُحزِن للغاية،في كل مراحل حياته، حتَّى وإن هو ظنَّ أن طريقه مفروش بالورود في بداية الرحلة الشاقّة.وأنَّ أحلامه البنفسجية غيرُ قابلة للتلاشي أو الانكسار.
شارك المقال