سلطة المعرفة في السودان: المثقف بين دور التأثير ومحنة الصمت

26
مكتبة
Picture of تحقيق: نبوية سرالختم

تحقيق: نبوية سرالختم

الحلقة الأخيرة :  بدائل وفضاءات مرنة لإستعادة سلطة المثقف تتداعى بين انقاض الحرب

• حين تعمّ الفوضى، ويغدو الخراب نظاماً، لا يُستدعى المثقف ليشهد فقط، بل ليُعيد ترتيب الفوضى ذاتها. دوره لا يُقاس بترف اللحظة ولا رفاهية الاستقرار، بل بقدرته على صوغ المعنى من داخل الفقد، وإعادة بناء الوعي حين تتفكك البنى الاجتماعية، السياسية، والمعرفية.

لكن هذا الدور لم يكن دوماً على هذا النحو الدفاعي أو الهامشي. فالمثقف السوداني، قبل الحرب، كان يتمتع بموقع خاص داخل الحقل العام: كان منتجاً للسرديات، وصاحب رأي في السياسة والاجتماع، وحارساً معرفياً ضد السلطوية والتزييف.

من قاعات الجامعات، إلى صفحات الصحف، إلى منصات النقاش العام، لعب المثقف دوراً مركزياً في نقد الدولة، وفي إعادة مساءلة الخطابات الرسمية والمعارضة معاً. بل كان – في كثير من الأحيان – هو من يصوغ المصطلحات، ويؤطر النقاش، ويقترح البدائل.

غير أن اندلاع الحرب في أبريل 2023 قلب المعادلة رأساً على عقب. تفككت الدولة، وتلاشت المؤسسات، وسقطت الحريات العامة، ووجد المثقف نفسه فجأة في زمن بلا مركز، بلا منابر، بلا جمهور متماسك، وأحياناً بلا لغة قادرة على وصف ما يحدث.

فهل ما زال له سلطة معرفية في هذا الواقع الجديد؟ أم تحوّلت سلطته إلى مجرد سلطة أخلاقية – يُحترم فيها كرمز، لا كمؤثر؟ هل يستطيع أن يؤدي دور «الضمير» وسط الفوضى؟ أم يُطلب منه الصمت، أو يُضغط عليه ليتحوّل إلى تابع لهذه الجهة أو تلك؟

هذا التحقيق لا يكتفي بطرح الأسئلة، بل يحاول استقصاء تحولات موقع المثقف السوداني، ما بين ما كان عليه قبل الحرب، وما صار إليه في قلب الخراب: من بقي مخلصاً للمسافة النقدية؟ من تحوّل إلى واجهة لخطاب مسيّس؟ من صمت؟ ومن بقي يكتب، رغم أن لا أحد يقرأ؟

ونحن نضع اللمسات الاخيرة لتحقيق يعكس واقع سلطة المعرفة في السودان لابد وأن نعيد تكرار إلى أي مدى كان تأثير الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 عميقاً في حياة الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكذلك انها ضربت جوهر الحياة الثقافية والمعرفية ودمرت الفضاءات التقليدية التي اعتادت عليها المثقف السوداني مثل الجامعات، المراكز البحثية، والصحف، التي تآكلت أو أُغلقت، ما أدى إلى حالة فراغ معرفي هائلة.

إعادة بناء الفضاءات والمؤسسات المعرفية 

إعادة بناء هذه الفضاءات يعني بالضرورة البحث عن بدائل تتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع الأوضاع الراهنة، ومنها:الفضاءات الرقمية والتي تعتبر منصة يمكن للمثقف أن يعبر من خلالها بحرية نسبية عن أفكاره. لكنها تحمل في طياتها تحديات الرقابة الإلكترونية، الهجمات السيبرانية، إضافة إلى خطر التشظي بين جمهور داخلي ومغترب بجانب ذلك يمكن إحياء مبادرات مشتركة عابرة للحدود إذ شهدت الفترة الأخيرة تزايداً في التعاون بين مثقفين سودانيين ومثقفّين من الشتات، ضمن تحالفات معرفية رقمية مثل الملتقيات الإلكترونية، مجموعات النقاش، ومشاريع التوثيق. هذه التحالفات تنقل تجارب فريدة، لكنها تواجه سؤال التأثير على الأرض يضاف لذلك لابد من بناء مؤسسة أو مؤسسات ثقافية مستقلة تكون قادرة على الصمود أمام الضغوط السياسية، وتوفر حماية قانونية وأخلاقية للمثقف، مع توفير بنية تحتية للنشر والتوزيع . هذه المساحات الجديدة تحتاج إلى تمويل مستقل وشبكات دعم محلية وعالمية، كما تحتاج إلى بناء ثقة بين المثقفين وجمهورهم عبر ضمان الشفافية والنزاهة في العمل المعرفي.

تعزيز دور المثقف كفاعل مدني

الحرب أدت إلى تآكل دور الدولة كمُزوّد رئيسي للخدمات الأساسية والتعليم، فبرز دور المثقف كفاعل مدني يشارك في سد هذا الفراغ. هذا التحول يعكس توجه عالمي في أوقات الأزمات، حيث المثقف لا يكتفي بالتأمل النظري، بل ينخرط في العمل الاجتماعي بانخراط المثقفين في تنظيم ورش عمل تثقيفية، حملات صحية، دعم نفسي للمجتمعات المتضررة، وعمل جمعيات ثقافية مجتمعية هذه التجارب الميدانية اعطت الكثير من المثقفين فرصة لربط الأفكار بالواقع حيث أتاحت هذه الأدوار للمثقف الفرصة لتطبيق الأفكار التي ينتجها على الأرض، مما يعزز شرعيته ويكسر صورة المثقف المنفصل عن الواقع وتبرز مع هذه الأدوار الفاعلة مخاطر ماثلة إذ يتعرض المثقف الذي ينخرط في العمل المدني إلى مخاطر تتعلق بالأمن الشخصي، كما يمكن أن يُتهم بالانحياز السياسي، ما قد يحد من فعاليته هنا يبرز سؤال هل يمكن للمثقف الجمع بين دوره النقدي والتزامه المدني في ظل توتر سياسي حاد؟ تجربة السودان اليوم تقدم نموذجاً معقداً يتطلب دعم مؤسساتي وشبكات أمام الفاعلين الثقافيين.

مواجهة تحديات الاستقطاب السياسي والثقافي

الحرب لم تكن فقط معركة سلاح، بل معركة مع السرديات والهويات. المثقف السوداني اليوم في مواجهة استقطاب ثقافي وسياسي يهدد دوره كوسيط معرفي منها :الاستقطاب الأيديولوجي إذ أصبح الخطاب الثقافي في كثير من الأحيان مرتهناً للأجندات الحزبية أو العسكرية، مما ضيّق مساحة النقد وحرية التعبير وأيضاً تفتت النسيج الاجتماعي حيث أثرت التوترات العرقية والمناطقية التي تعمقت خلال الحرب على قدرة المثقف على لعب دور توحيد الرؤى وجمع الشتات المعرفي، وجعلت الخطاب الثقافي أداة تصعيد بدلاً من التقريب.

فبينما يحاول بعض المثقفين بناء خطاب وسط يحترم الاختلاف، ويركز على القيم المشتركة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، يجدون أنفسهم يواجهون تحديات كبيرة في الوصول إلى جمهور واسع بسبب تضييق الفضاءات هذا يطرح ضرورة العمل على تطوير مهارات الحوار والتفاوض لدى المثقف، وإيجاد أدوات معرفية جديدة تساعد في تجاوز الانقسامات، مثل الفنون، المسرح، والسرديات التشاركية

استعادة السلطة المعرفية في زمن ما بعد الحرب

تآكل سلطة المثقف المعرفية كان من أبرز تداعيات الحرب التي لم تنتهي بعد فالجماهير التي تعرضت للتضليل والدعاية الحربية، باتت تواجه صعوبة في تمييز الخطاب النقدي لهذا فإن عملية إعادة بناء الثقة ستكون عملية طويلة تبدأ بالتواصل المباشر مع الجمهور، والاستماع إلى همومه، والابتعاد عن خطاب النخبوية وهنا يبرز دور المثقف المدني والإعلامي ليساهم في رفع وعي الجمهور بأهمية الفكر النقدي، والتمييز بين المعلومة والدعاية، عبر برامج تعليمية ومبادرات إعلامية مع توظيف وسائل إعلامية جديدة مثل القصص الشخصية، الفنون، الفيديوهات القصيرة التي تناسب ثقافة الجمهور وتساعد على إيصال الرسائل المعقدة بصورة مبسطة وجذابة هذه المحاولات تعيد للمثقف مكانته وتجعله مؤثراً في تحولات المجتمع، وليس مجرد مراقب أو ناقد معزولاً 

آفاق المستقبل – الرهان على المثقف كفاعل للتغيير

رغم الانكسار والدمار، يظل المثقف حجر الزاوية في أي مشروع وطني. دوره في ترسيخ القيم الديمقراطية، الدفاع عن الحقوق، وإعادة بناء الهوية الوطنية لا يمكن الاستغناء عنه في بناء مشروع وطني جديد حيث يتطلب مشاركة المثقف في صياغة رؤية شاملة تدمج مختلف القوى الاجتماعية، وفتح المجال للنقاش الحر البناء فالمثقف لا يمكن أن يكون وحيداً في المهمة، بل عليه أن يشكل حواضن فكرية مدنية تدعم التغيير كما يحتاج المثقف السوداني  إلى قراءة تجارب دول مرت بأزمات مشابهة (مثل جنوب أفريقيا، رواندا، لبنان) واستلهام دروس في بناء السلام والتعايش إن النجاح في هذه المهمة ستعيد للمثقف مكانته كقائد فكري وأخلاقي، ويضمن لثقافة النقد والإبداع وجوداً دائماً في السودان المستقبلي.

خاتمة :

رغم كل ما شهده الواقع الثقافي في السودان من انكسار وتجريف، فإن المثقف يظل عنصرًا أساسيًا في أي مشروع وطني لإعادة البناء. دوره في تعزيز قيم الديمقراطية، حقوق الإنسان، العدالة الاجتماعية، والمواطنة، لا يمكن الاستغناء عنه.

التحدي يكمن في تجاوز اللحظة الراهنة، واستثمار تجربة الحرب لتأسيس نموذج جديد للثقافة السياسية والمعرفية، يكون أكثر شمولية، أكثر انفتاحاً، وأقرب إلى نبض المجتمع.

تختتم هذه السلسلة بتحليل عميق لواقع المثقف السوداني الذي يعيش في حالة من التوتر بين الانكسار والتحوّل، بين الحصار والمعارضة، بين الدور التقليدي والتحديات الجديدة. هذا الواقع هو انعكاس لحالة المجتمع ككل في ظل الحرب، حيث تختلط معاناة الواقع بالحاجة الملحة لإعادة الإبداع والبناء.

إن مستقبل المثقف في السودان مرهون بقدرته على إعادة التأسيس، وعلى دعم مؤسسات حرة قادرة على الانخراط في مشروع وطني يعيد للحياة الاجتماعية والسياسية روحها، عبر المعرفة الحرة والحوار البناء.

 

شارك التحقيق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *