سلطة المعرفة في السودان: المثقف بين دور التأثير ومحنة الصمت

181
pic011
Picture of تحقيق: نبوية سرالختم

تحقيق: نبوية سرالختم

الحلقة الخامسة : منابر مغلقة ومعارك مستترة تتداعى بين السطور والنصوص

• حين تعمّ الفوضى، ويغدو الخراب نظاماً، لا يُستدعى المثقف ليشهد فقط، بل ليُعيد ترتيب الفوضى ذاتها. دوره لا يُقاس بترف اللحظة ولا رفاهية الاستقرار، بل بقدرته على صوغ المعنى من داخل الفقد، وإعادة بناء الوعي حين تتفكك البنى الاجتماعية، السياسية، والمعرفية.

لكن هذا الدور لم يكن دوماً على هذا النحو الدفاعي أو الهامشي. فالمثقف السوداني، قبل الحرب، كان يتمتع بموقع خاص داخل الحقل العام: كان منتجاً للسرديات، وصاحب رأي في السياسة والاجتماع، وحارساً معرفياً ضد السلطوية والتزييف.

من قاعات الجامعات، إلى صفحات الصحف، إلى منصات النقاش العام، لعب المثقف دوراً مركزياً في نقد الدولة، وفي إعادة مساءلة الخطابات الرسمية والمعارضة معاً. بل كان – في كثير من الأحيان – هو من يصوغ المصطلحات، ويؤطر النقاش، ويقترح البدائل.

غير أن اندلاع الحرب في أبريل 2023 قلب المعادلة رأساً على عقب. تفككت الدولة، وتلاشت المؤسسات، وسقطت الحريات العامة، ووجد المثقف نفسه فجأة في زمن بلا مركز، بلا منابر، بلا جمهور متماسك، وأحياناً بلا لغة قادرة على وصف ما يحدث.

فهل ما زال له سلطة معرفية في هذا الواقع الجديد؟ أم تحوّلت سلطته إلى مجرد سلطة أخلاقية – يُحترم فيها كرمز، لا كمؤثر؟ هل يستطيع أن يؤدي دور «الضمير» وسط الفوضى؟ أم يُطلب منه الصمت، أو يُضغط عليه ليتحوّل إلى تابع لهذه الجهة أو تلك؟

هذا التحقيق لا يكتفي بطرح الأسئلة، بل يحاول استقصاء تحولات موقع المثقف السوداني، ما بين ما كان عليه قبل الحرب، وما صار إليه في قلب الخراب: من بقي مخلصاً للمسافة النقدية؟ من تحوّل إلى واجهة لخطاب مسيّس؟ من صمت؟ ومن بقي يكتب، رغم أن لا أحد يقرأ؟

في السودان الذي انخرط في دوامة حرب وحالة استقطاب سياسي وأمني معقدة منذ أبريل 2023، لم يكن المثقف مجرد ضحية للفوضى وحسب، بل وجد نفسه في قلب معركة مستترة تمتد بين سطور النصوص، وحلقات النقاش، ومواقع التواصل الاجتماعي، وبين أروقة المؤسسات التي كانت منابر للمعرفة والتعبير. فمع تدهور مؤسسات الدولة وانهيار أطر الحريات، تحولت المنابر الثقافية والإعلامية إلى فضاءات مغلقة، يسيطر عليها منطق القمع والرقابة الشديدة، حيث صارت كل كلمة تُقال مُراقبة، وكل فعل يتعرض للتهديد والملاحقة.

الرقابة كأداة سلطوية للتحكم في المعرفة

في سياق السلطة الهشة والمزمنة في السودان، لم تعد الرقابة مجرد إجراء رسمي يمارسه جهاز حكومي أو جهاز أمني، بل تحولت إلى شبكة متشابكة من الضغوط والقيود المبطنة التي تؤثر على كل مراحل إنتاج المعرفة ونشرها. الرقابة هنا لا تقتصر على حجب الأخبار أو إغلاق الصحف، بل تشمل أيضاً الرقابة الذاتية التي يفرضها المثقفون خوفاً من ملاحقات قانونية أو أمنية أو اجتماعية.

في السنوات التي سبقت الحرب، كانت الرقابة في السودان تمارس بنسق رسمي محدود، مع استثناءات في بعض الفترات، لكنها الآن تفاقمت إلى حالة من التشديد الشامل، تعكس أزمة السلطة نفسها. فقد شهدت وسائل الإعلام التقليدية – الصحف، المحطات الإذاعية والتلفزيونية – إغلاقاً متكرراً أو تحولا إلى أدوات للدعاية الرسمية، بينما أصبحت المؤسسات الأكاديمية والبحثية تعاني من الضغط المباشر وغير المباشر على أعضاء هيئات التدريس والباحثين.

وهنا تبرز أهمية فهم أن الرقابة ليست فقط كبحاً للحريات، بل أيضاً كوسيلة لإلغاء سلطة المثقف المعرفية، وتحويله إلى مجرد متحدث مسموع فقط حين يصطف مع أحد الأطراف أو يخضع للضغوط. هذا يعني أن النظام السلطوي يعي جيداً أن المثقف ليس خطراً فقط عندما ينتقد، بل عندما يصوغ بدائل معرفية تعيد تشكيل الواقع وتفتح أفقاً جديداً للفكر الحر.

التهديد والملاحقة – أبعاد من المواجهة الحقيقية

الرقابة تترافق غالباً مع التهديد المباشر، سواء عبر أجهزة الأمن الرسمية أو المليشيات المسلحة التي تتصرف كسلطات أمر واقع في مناطق متعددة من البلاد. شهدت الأعوام الأخيرة ملاحقات قضائية واعتقالات ضد عدد من المثقفين والصحفيين الذين عبّروا عن مواقف نقدية، بالإضافة إلى حملات تشويه ممنهجة عبر الإعلام الموالي لبعض الفصائل.

التهديد هنا لا يقتصر على الاعتقال، بل يشمل المضايقات اليومية، التهديد بالأذى الجسدي، والمراقبة المستمرة، ما يدفع الكثير من المثقفين إلى التعتيم على مواقفهم، أو الانسحاب من المشهد العام حفاظاً على حياتهم وسلامتهم.

هذا الواقع يجعل من مهمة المثقف أكثر تعقيداً، حيث أن الخطاب المعرفي لا يُمكن فصله عن معطيات الأمن والحماية الشخصية، ويحول دون نشوء نقاشات حرة ومتنوعة. كما يفتح المجال أمام خطاب مسيّس يُلزم المثقف أو الكاتب أن يكون تابعاً لجهة ما، أو يختار الصمت.

تجفيف المنابر – موت الفضاءات الثقافية والمجتمعية

مع إغلاق الصحف المستقلة، توقف كثير من البرامج الثقافية، وتقييد الأنشطة الجامعية، تقلصت المنافذ التقليدية لنشر الأفكار والمبادرات الثقافية، وبدأت حالة من الجفاف المعرفي تتسرب إلى المجتمع السوداني.

مراكز البحث والدراسات أصبحت في وضعية شبحية، تعاني من نقص التمويل، ومن ضغوط سياسية تمنعها من ممارسة أدوارها. الجامعات التي كانت في السابق معاقل للنقاش الحر، أصبحت تعاني من انقسام سياسي داخلي، وأحياناً من تدخلات أمنية مباشرة أو غير مباشرة.

على مستوى الجمهور، بدأ الفضاء العام يتحول إلى منصة للصراعات السياسية والعسكرية، مقلصاً دور الثقافة والفكر، ما تسبب في إضعاف الثقة بين المثقف وجمهوره، وخلق حالة من التباعد واللامبالاة أحياناً.

الحرب النفسية – تدمير الوعي وفقدان الثقة

في سياق الحرب والصراع، لم تكن المعارك فقط على الأرض، بل امتدت إلى داخل عقول الناس وضمائرهم. تُستخدم أدوات الحرب النفسية عبر الإعلام والفضاءات الرقمية، والتي تستهدف تدمير مناعة الجمهور تجاه المعرفة النقدية، وتُعمّم الخوف والشك والريبة تجاه المثقف ونواياه.

هذه الحرب النفسية تشمل التشويه الإعلامي، خلق أعداء وهميين، إلصاق تهم الخيانة، وزرع ثقافة القطيعة بين النخب والمجتمع. في هذه الأجواء، يصعب على المثقف أن يحافظ على سلطة معرفية مستقلة، لأن الجمهور غالباً ما يكون مشحوناً بمشاعر الاستقطاب والريبة.

تتبدى أهمية هذه الحرب النفسية في قدرتها على إعادة إنتاج هيمنة الخطابات السلطوية، عبر احتكار المفاهيم وتطويق النقاش داخل أطر ضيقة، تُقصي صوت المثقف المستقل أو تحول دون وصوله إلى عموم الناس.

خلاصة – المثقف في مواجهة الحصار المعرفي

تُبرز هذه المعطيات واقعاً هشاً للمثقف السوداني في زمن الحرب، حيث يواجه حصاراً معرفياً متعدد الأوجه: رقابة رسمية وشبه رسمية، تهديدات أمنية، فقدان منابر التعبير، وحرب نفسية تهدف إلى تجريده من سلطته وفاعليته.

لكن رغم هذا الحصار، لا تزال هناك مقاومات صامتة، وفضاءات بديلة يحاول فيها بعض المثقفين أن يحافظوا على خطابهم، سواء عبر الشبكات الرقمية أو المنافذ الخارجية أو العمل المدني والثقافي في المجتمعات المحلية.

يبقى السؤال الملح: كيف يمكن للمثقف أن يستعيد سلطته المعرفية في ظل هذه القيود المعقدة؟ وهل يمكن لفضاءات جديدة أن تولد من رحم الخراب لتعيد بناء علاقة بين المعرفة والمجتمع؟

هذا التساؤل يفتح الطريق أمام نقاش أعمق في الحلقة القادمة والأخيرة حول مستقبل المثقف ودوره في إعادة ترتيب المشهد الثقافي والسياسي السوداني.

 

شارك التحقيق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *