زوال الحرب وزوال العذر: التزامات الإيجار في مرحلة ما بعد العاصفة (2)

75
pic000
Picture of بقلم: هنيدة التني‏‏

بقلم: هنيدة التني‏‏

• تشكل الحروب لحظات فاصلة تهز استقرار العقود وتكشف هشاشتها أمام تقلبات الواقع. فعقد الإيجار – الذي يقوم أصلاً على تبادل المنفعة بين المؤجر والمستأجر – سرعان ما يتعرض للاهتزاز حين يجد المستأجر نفسه محاصراً في العين المؤجرة، عاجزاً عن الانتفاع الحقيقي بها، أو حين يُجبر على مغادرتها تاركاً خلفه التزامات مالية متراكمة.

في هذه اللحظة يبرز السؤال الجوهري: هل مجرد البقاء في العقار يُعد انتفاعاً يوجب دفع الأجرة؟ وماذا عن الأجرة المتأخرة التي تتراكم أثناء الحرب، هل تبقى ديناً قائماً بمجرد زوال العذر أم تسقط لانتفاء المنفعة؟

تتجاوز هذه الإشكالية البعد الفردي لتلامس جوهر العدالة في العلاقة التعاقدية، إذ لا يمكن مساواة من بقي محاصراً بلا انتفاع بمن غادر طوعاً أو كرهاً، كما أن تراكم الأجرة خلال فترة الحرب يطرح بدوره تحديات قانونية واقعية على المستأجر والمؤجر على حد سواء.

يسعى هذا المقال إلى معالجة هذه الإشكالية عبر محورين متكاملين:

المحور الأول: البقاء في العين المؤجرة خلال الحرب، وهل يترتب عليه استحقاق الأجرة وفق الواقع القانوني والعملي.

المحور الثاني: الموقف القانوني من الأجرة المتأخرة خلال فترة النزاع، وكيفية تحديد استحقاقها أو تخفيضها بما يتناسب مع انتفاع المستأجر الفعلي وظروف الحرب.

بين البقاء والانتفاع: أثر الحرب على استحقاق الأجرة

كما ورد في قصة السلسلة، عندما بدأ «عمر» يغادر بيته المستأجر هربًا من الحرب، قرر «سليم» البقاء في منزله رغم الظروف الاستثنائية والصعبة.

لكن يبقى سؤال جوهري:

هل مجرد بقاء المستأجر في العين المؤجرة خلال فترة الحرب يعني أنه منتفع فعليًا بالعقار؟

وهل يستوجب ذلك عليه دفع الأجرة؟

وماذا عن الأجرة المتأخرة بعد زوال الحرب؟

هذه التساؤلات تُشكّل محور هذا المقال حيث نستعرض القواعد القانونية والواقعية التي تحدد مدى تأثير بقاء المستأجر على التزامه المالي خلال فترة الأزمات، ثم ننتقل لموقف الأجرة المتأخرة بعد انتهاء الحرب.

أولًا: هل مجرد البقاء في العقار يوجب دفع الأجرة؟

مجرد بقاء المستأجر في العقار لا يعني تلقائيًا وجوب دفع الأجر كاملًا، خاصة إذا كان هناك سبب قاهر (مثل الحرب أو ظروف استثنائية) يمنع المستأجر من الاستفادة من العين المؤجرة بشكل طبيعي.

بعض القوانين أو العقود قد تنص على تعديل الأجر أو تعليق الدفع خلال فترة الحرب إذا كان استخدام العين مستحيلًا أو صعبًا للغاية.

أما إذا بقي المستأجر في العقار بدون استغلال أو استفادة فعلية (مثلاً، استمر في البقاء كحماية لممتلكاته فقط)، فيحتاج الأمر لفحص عقد الإيجار والنصوص القانونية ذات الصلة لتحديد ما إذا كان ملزمًا بدفع الأجر.

فوفقًا لقانون المعاملات المدنية السوداني، فإن الإجارة تعني تمليك منفعة مقصودة من الشيء المؤجر لمدة معينة لقاء أجر معلوم، بمعنى أن شرط الانتفاع بالعين المؤجرة يعد جوهريًا لاستحقاق الأجرة.

فإذا لم ينتفع المستأجر بالعقار بسبب ظروف قاهرة، فلا يجب عليه دفع الأجرة.

هل كان المستأجر منتفعًا فعليًا؟

عند النظر في أثر بقاء المستأجر في العين المؤجرة خلال ظروف الحرب، يجب أن نطرح سؤالًا جوهريًا:

هل كان المستأجر منتفعًا فعليًا بالعقار أثناء هذه الفترة؟

في كثير من الحالات، قد يبقى المستأجر في العقار ليس لأنه يستفيد منه، بل لأنه لا يملك خيار الرحيل أو لا يرغب في ترك منزله رغم الظروف القاسية المحيطة.

قد يبقى كما هو الحال مع «سليم»، الذي قرر البقاء طوال فترة الحرب، لكنه لم يكن يعيش كما يعيش الناس الطبيعيين، بل كان محاصرًا في منزله بلا كهرباء ولا ماء، ولا حركة أو أمان.

كان يخرج نادرًا وبخوف شديد، والبقاء في المكان لم يكن حياة طبيعية أو انتفاعًا حقيقيًا بالعقار، بل كان أشبه بالبقاء في قوقعة محاصرة بلا عمل ولا راحة ولا أمان.

وهذا يجعلنا نتساءل: هل يمكن اعتبار هذا النوع من البقاء انتفاعًا فعليًا يستوجب دفع الأجرة؟

يجب أن نتفق جميعًا على أن هذا الانتفاع لم يكن انتفاعًا فعليًا بالمعنى الحقيقي، لأنه لم يكن كما كان قبل الحرب. فقبل الحرب، كان الانتفاع بالعقار يتم بشكل طبيعي وبمزايا كاملة، أما أثناء الحرب فقد تغيرت كل هذه الظروف.

لكن يبقى السؤال: هل هذا النوع من البقاء يُعتبر انتفاعًا فعليًا يستوجب دفع الأجرة؟

الإجابة تعتمد على تقدير الوقائع كما حدثت، وبحكم القاضي المختص.

وبالنظر إلى هذه الوقائع، أرى أن دفع الأجرة يجب أن يكون مرتبطًا بحالة الانتفاع الفعلي، فلا يجب أن يُفرض دفع الأجرة كاملة في كل الأحوال، بل قد يُخفض الأجر بحسب مدى قدرة المستأجر على الاستفادة من العين المؤجرة خلال فترة الحرب.

وقد استُنبط هذا الرأي من مقال د. هشام الجيلي (مؤلف كتاب التعليق على قانون إيجار المباني 1991م) المنشور على فيسبوك، حيث تناول هذه النقطة بشكل واضح ومهم.

التمييز بين من بقي منتفعًا ومن بقي قسرًا

في ظل الحرب، قد يظل المستأجر في العين المؤجرة ويُظن أنه ينتفع بها، إلا أن هذا الانتفاع يختلف جوهريًا عما كان قبل الحرب؛ فظروف الحياة والعمل تتغير جذريًا، وتنخفض فرص الكسب، وقد يتأثر النشاط التجاري، بل وقد ينعدم كليًا.

لذلك، فإن مجرد البقاء في المكان لا يعني بالضرورة أن الانتفاع قائم بنفس القدر الذي كان عليه قبل الحرب، وهو ما قد ينعكس على تقدير الأجرة المستحقة.

أما في الحالة الثانية، وهي حالة البقاء الاضطراري أو البقاء دون استفادة فعلية، فإن المستأجر لا يتمكن فيها من الانتفاع الكامل بالعين المؤجرة، وبالتالي يمكن إلزامه بدفع جزء من الأجرة يتناسب مع قدر انتفاعه الفعلي.

ثانياً: بعد الحرب… هل تُدفع الأجرة المتأخرة؟

عندما هدأت أصوات القصف، عاد «عمر» إلى بيته المستأجر، ليجده كما تركه، مغبرًا وصامتًا. أما «سليم» فبقي في منزله طوال الحرب، يعيش في ظروف قاسية بلا كهرباء أو ماء، بلا حركة أو أمان.

بعد زوال الحرب، جاء المؤجر ليسأل: «هل ستدفعون الأجرة عن الأشهر التي مرت؟»

لكن هل يحق للمؤجر أن يطالب «عمر» بدفع أجرة لم يكن فيها موجودًا؟ وهل يجب على «سليم»، الذي بقي في العين دون انتفاع حقيقي، أن يدفع الأجرة كاملة؟

موقف المستأجر من الأجرة المتأخرة

بعد انتهاء الحرب، قد يثور التساؤل حول مصير الأجرة المتأخرة التي لم تُدفع خلال فترة النزاع.

فهل يحق للمؤجر المطالبة بها فور استقرار الأوضاع، أم أن الظروف التي صاحبت فترة الحرب تمنع أو تحد من هذا الحق؟

وهل يمكن اعتبار الأجرة التزامًا قائمًا رغم انقطاع الانتفاع أو تعذره أثناء الحرب؟

كما يثار التساؤل حول الحالات التي قد تسقط فيها المطالبة بالأجرة المتأخرة، سواء لأسباب قانونية أو عملية.

متى يطالب بالأجرة المتأخرة؟

فيما يتعلق بمسألة المطالبة بالأجرة المتأخرة بعد الحرب، أرى أنه لا ينبغي المطالبة بها بشكل مطلق، بل في حالات معينة فقط.

 والسبب في ذلك أن قانون المعاملات المدنية نص على أنه في حالة القوة القاهرة ينفسخ العقد بقوة القانون، وهو ما يعني سقوط الالتزامات، بما في ذلك الأجرة. 

أما إذا كانت الحرب قد نشأت كظرف طارئ وليست قوة قاهرة، فإن الموقف يختلف؛ إذ نص القانون على أن القاضي يتدخل في هذه الحالة، فيعدل الالتزام أو يوقفه إلى حين زوال الظرف الطارئ.

وبناءً على ذلك، إذا كان المستأجر قد انتفع بالعقار أثناء الحرب، ولكن انتفاعه لم يكن كاملًا أو حقيقيًا، يمكن للقاضي أن يعدل الأجرة ويخفضها بما يتناسب مع قدر الانتفاع الفعلي وظروف الحالة الطارئة. أما إذا لم ينتفع بالعقار إطلاقًا، فيجوز للقاضي أن يوقف الالتزام بدفع الأجرة طوال فترة الحرب، على أن يستأنف المستأجر الالتزام بعد زوال الظرف الطارئ.

وفي جميع الأحوال، يظل هذا الأمر خاضعًا لتقدير القاضي، ولا يمكن تحديد موقف موحّد أو قاعدة عامة بشأن الأجرة المتأخرة، إذ تتباين الوقائع من حالة إلى أخرى.

حالات سقوط الأجرة:

الأجرة التي يستحقها المؤجر مقابل الانتفاع بالعقار قد تسقط في بعض الحالات القانونية، ويُذكر منها ثلاث حالات رئيسية:

1. عدم الانتفاع بالعقار:

كما ذكرنا سابقًا، فإن عقد الإيجار هو تمليك منفعة مقصودة من العين المؤجرة لقاء أجر معلوم. 

وبالتالي، إذا لم يكن هناك انتفاع فعلي بالعقار، فهذا يعني أن حق الانتفاع – وهو الأساس الذي يقوم عليه العقد – غير موجود، وعليه لا وجود لالتزام بدفع الأجرة. بمعنى آخر، في غياب الانتفاع، لا يجب أن يكون هناك أجرة مستحقة.

2. القوة القاهرة:

القوة القاهرة هي تلك التي تجعل تنفيذ العقد مستحيلاً تمامًا، مثل تدمير العين المؤجرة أو عدم وجودها أساسًا، وهو ما يتعارض مع جوهر عقد الإيجار الذي يقوم على تمليك العين للمنفعة. 

في هذه الحالة، يسقط الالتزام بدفع الأجرة لأن العقد لا يمكن تنفيذه عمليًا، حيث لم يعد هناك شيء يؤجر.

3. وجود ضرر بالغ:

في هذه الحالة، يؤدي وجود ضرر بالعقار إلى صعوبة أو شبه استحالة الانتفاع به بشكل طبيعي. 

وهذا يحد من قدرة المستأجر على الاستفادة الكاملة من العين المؤجرة، مما يفتح المجال أمام إمكانية تعديل الأجرة أو تخفيضها بحسب شدة الضرر وتأثيره على الانتفاع.

قد يُعتبر أن المستأجر لم يستفد فعليًا من العين المؤجرة، وبالتالي قد لا يستحق المؤجر الأجرة كاملة، أو قد يسقط حقه في المطالبة بها.

ومع ذلك، يجب أن يُؤخذ في الاعتبار أن سقوط الأجرة أو تعديلها بسبب الضرر يعتمد على تقدير مدى تأثير الضرر على الانتفاع، وهو أمر يترك عادةً لتقدير القاضي أو لاتفاق الطرفين.

متى يُعد الالتزام قائماً رغم الحرب؟

يُعتبر الالتزام بدفع الأجرة قائمًا رغم وقوع الحرب في حال لم تؤثر الحرب تأثيرًا قاهرًا على قدرة المستأجر على الانتفاع بالعقار، أي إذا ظل المستأجر قادرًا على استخدام العين المؤجرة والاستفادة منها بصورة فعلية.

كما يظل الالتزام قائمًا إذا لم تُنص شروط العقد أو القانون على تعليق أو تعديل الأجرة خلال فترة الحرب، وكان الانتفاع ممكنًا رغم الظروف.

وبالتالي، فاستمرار الانتفاع الحقيقي وغياب الظروف القاهرة التي تمنع التنفيذ، هما العاملان الرئيسيان في اعتبار الالتزام قائمًا وعدم سقوطه رغم الحرب.

أما ما يخص السودان، فأعتقد أن الالتزام بدفع الأجرة لا يكون قائمًا بالكامل في كثير من الأحيان، إن لم يكن في جميعها، نظرًا لما أحدثته الحرب من أضرار كارثية وتضرر الكثير من المناطق والناس. فقلة نادرة من الأماكن أو الأشخاص قد يكونون لم يتأثروا بشكل مباشر أو غير مباشر بالحرب.

ومع ذلك، يبقى تقدير ما إذا كان الانتفاع بالعقار حقيقيًا وكاملًا من صلاحيات المحاكم والقاضي المختص، وليس من اختصاصنا تحديد ذلك بشكل قاطع.

 لهذا السبب، لا أرى أنه يمكن الجزم بوجود حالة يكون فيها الالتزام بدفع الأجرة قائمًا بالكامل خلال فترة الحرب، إلا في الأماكن التي لم تمتد إليها آثار الحرب بشكل فعلي، رغم أنه حتى في هذه المناطق قد يظل الضرر حاضرًا بسبب تداعيات النزاع.

 الخاتمة

في الختام، يتضح أن زوال الحرب كظرف طارئ لا يعني بالضرورة عودة الالتزامات التعاقدية تلقائيًا، بل يتطلب تقييمًا دقيقًا لمدى زوال العذر القانوني وتأثيره على العقد. كما أن بقاء المستأجر في العين المؤجرة خلال الحرب لا يترتب عليه دومًا التزام بدفع الأجرة، إذ يعتمد ذلك على حقيقة الانتفاع الفعلي وظروف البقاء. أما فيما يتعلق بالأجرة المتأخرة، فلابد من مراعاة الظروف الاستثنائية التي قد تبرر سقوطها أو استمرارها.

تكتسب هذه الدراسات أهمية بالغة في الوقت الراهن، خاصة في ظل ما يشهده السودان من تداعيات بعد انتهاء الحرب، حيث قد تكمن في هذه التحليلات القانونية السُبل المناسبة لمعالجة كثير من القضايا والنزاعات التي تنشأ في هذه المرحلة الحساسة. لذا، من الضروري أن تُؤخذ هذه المبادئ والاعتبارات بعين الاعتبار في صياغة التشريعات والقوانين المستقبلية، لضمان تحقيق العدالة والاستقرار القانوني.

ورغم ما تم تناوله في هذا المقال والمقال السابق من محاور وتساؤلات مهمة، إلا أن الدراسة لا تغطي جميع المسائل القانونية المرتبطة بالموضوع، فهناك العديد من القضايا الجانبية والتفصيلية التي تستحق نقاشًا أوسع وبحثًا مستفيضًا.

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *