
سارة عبدالمنعم
كاتبة روائية
• باءت كلُّ محاولاتِ الهروبِ إلى نقطةِ البدايةِ بالفشل.
هكذا أَجلستْها أفكارُ اضطرابٍ تُحاسبُ سنينَ الفِراق، ومَشيبُ أحلامٍ أورث أفراحَها تجاعيدَ وجهِ الانتظار.
همس جرحُ الحقيقة:
إنَّ كلَّ نبضٍ توهَّمَتْ خافِقَهُ بسواه، كان يبحث عن ظلٍّ يشبه رجلاً يقفُ ضدَّ ذاكرةِ النسيان.
وكلُّ جرحِ خذلانٍ كانت أصابعُ إدانتِه تُشير إليها، كأنها تتهمُها بكلِّ حزنٍ أتاها بعده.
«لو أنَّك كنتَ جواري، لَما وجد هذا الألمُ طريقًا يقودُه إلى أعماقي»…
هكذا همهمتْ خيبتُها، بين عتابٍ وحنين، بين تمنٍّ ومحاولةِ هروبٍ من رضوخٍ ما زال يعتنقُ دينَ عشقِه، لا شريكَ له بنبضِ أفراحِها.
كانت نظراتُه تختلسُ من شرودِها ألفَ اعتذارٍ يعتصرُه الندم، وما زال يحملُ ذاتَ العشقِ الذي ترفضُ الإقرارَ به.
وكلاهما يُمارسُ كبرياءَ الجرح.
انتزعت من صمتِ ترقُّبِه ابتسامةً، حين انساب همسٌ شفيفٌ دون أن يعبأ بمحاولتِها إخفاء سرِّ فراقِه.
فلا شيء يُؤلم عند ادِّعاءِ اللامبالاةِ سوى خاطرٍ يفضحُكَ رغم تكتمِكَ عليه.
قالت:
«لم أُعشَقْ رجلاً سواك، وكلُّ محاولاتِ الهروبِ منك كانت تقودُني إليك بحاجة. أنتَ من علَّمَني العشق».
لكن جرحَ الخذلانِ عاد يناوشُها، حين همهمَ دمعُ أوجاعِها:
«وأنتَ أيضًا من أوقدتَ له شموعَ الفرح، فأطفأتَ أفراحي بنيرانِ غيرتِك».
«أتذكر؟ قلتُها لك ذاتَ ماضٍ: سيأتي يومٌ أبتعدُ فيك، وجاهرتُكَ يومَ رحيلي أنّي مللتُ، وأنَّ وجعَ بعادِكَ أهونُ على قلبي من قربٍ يُغرقُني بالألمِ ممّن توسمتُ فيه خيرَ الحياة».
«لكنّي تعبتُ، قصم الوجعُ ظهرَ تحمُّلي، لم أشفِ منك، ولم تكفَّ الجراحُ عن غرسِ نصلِها في قلبي كلما مددتُ لسانَ شماتي على ذكراك. بل كثيرًا كنتُ أتوعّدُ طيفَك بالنسيان، وأتَّهِمُكَ بخسارتي التي لن تُعَوَّض، وسرًّا كنتُ مؤمنةً أنّه لا سواكَ يملأ هذا الفراغَ رغم تلك الجمهرة».
ساد الصمتُ المكان.
على أنينِ بلبلٍ يمارسُ النحيبَ حينًا، ويُصدِّحُ بشوقٍ احتفاءً بلقاءِ هاجرِه حينًا آخر.
لم يكن بينهما فاصلٌ سوى كرامةِ جرحٍ يعتزُّ بقوةِ تحمُّله.
لم تكن دموعُها حاضرةً؛ فهذا وقتُ تزودِها من فرحِها الغابر.
ما زالت تُمارسُ حقَّ طفولتِها: تجلسُ القرفصاء، تلعقُ أناملَ ندمِها، وتلعبُ بخصلاتِها بين عقدِها وفكِّ وثاقِها.
لم تكن معه بحاجةٍ لتصنُّعِ التهذيب؛ فسجيَّتُها تلك كانت جلَّ افتقادِه.
تغنيا كمن لم تسرقِ العبراتُ يومًا صوتَه، وترنحا على إيقاعِ الذكرى وأيامٍ خوالٍ.
تبسَّم كلاهما طربًا وفرحًا بتجديدِ عمرٍ نالَه الضياع، وكلاهما يُردِّدُ سرَّه: «أُحبك»، بصمت.
أشعل صدرَ أوجاعِه صوتُ سبابِها، حين أطلقت لعناتِها على عذابٍ حرَّضَها للرحيل.
أدمعت وجعًا تصرخُ به: «هل عشقتَ سواي؟! مَن وهبتكَ مثلي الحياة؟! أما زلتَ تزمجرُ في وجهِ تمرُّدي أنّك السيد؟! أم صرتُ وحدي عبدتُكَ؟!».
«ليتني لم أكن لك ذاك الانصياعَ الذي سيَّدَكَ على دواخلي حاكمًا ظالمًا. لن تجدَ مثلي من تُحبُّكَ طولَ حياتِها، وكنتَ أنتَ لها الحياة».
لم يسعفْه الوقتُ لاستعادةِ ألفِ مشهدِ ندمٍ واعتذار، لكنه نكأ آخرَ جراحِها حين همس:
«كنتِ طفلي، فبأيِّ حقٍّ منعتِ عنّي تحمُّلَك وحنوكِ؟ تخلَّيتِ عنّي، وداخلكِ يسكنه اليقينُ أنَّ هذا الحبَّ صادق، لكني أحمقُ أناني، أردتُكِ لي وحدي».
لم يكن هناك عتاب.
كلاهما انشغل بدمعِ الآخر يرتقُ جراحَه.
لم يكن الطريقُ بينهما مسمّى؛ كانت كلُّ وجوهِ الحاجةِ تسكنُ خطواتِهما.
تمسَّك بها كرفيق، يُسائلُها عن أمرِ عاشقِها الذي ينعمُ بجوارِها.
كادت أن تهمس: «لا سواكَ احتلَّني»، ولكن روحَ جنونِها عادت تسكنُها، فأطلقت ضحكتَها عاليةً تهدُّ بها أحزانًا توهمُها صورُ شفائِها منه، حين همست: «الأحمقُ هجرني».
وقبل أن يطبعَ جبينُه التعجُّبَ، ويعاتبَ غباءَ شبيهتِه، أخمدت حيرةَ استفسارِه:
«إنه لا رجلَ سواه أجاد عشقَها، وأنَّها مخذولةُ الحواسِّ طوال تلك السنين، وحدَها من آلمتْهم بتمنّي أن تجدَك فيهم».
بادلته الابتسامة، وبصوتٍ خافتٍ يعلو ضجيجَ ألمِه بذاك التبرير، همست:
«حمقاءُ أنا، فما زلتُ أُهامسُهم جميعًا باسمِك».
شارك المقال