حينَ يرقصُ سعرُ الصرف مع يناير

5
محمد كمير جاهز

محمد كمير

خبير اقتصادي

• في الخطاب الرسمي كثيراً ما تُرفَع شعارات “استقرار سعر الصرف” و“السيطرة على السوق الموازي”، لكن الواقع يحكي حكاية مختلفة تماماً. منذ 2023 أصبح الجنيه السوداني يتصرّف كما لو أنّه يحتفل ببداية كل عام جديد بقفزة كبيرة في سعر الدولار، احتفالٌ حزين يدفع ثمنه المواطن في شكل تضخّم وغلاء وفقدان للثقة في العملة الوطنية. عنوان مثل “عام الاستقرار النقدي في السودان” يبدو كاذباً عمداً، لأنه يفضح المفارقة بين الخطاب والواقع، ويقودنا لسؤال: هل سيواصل سعر الصرف احتفاله في يناير 2026 أيضاً؟

في بداية 2023، ورغم أن الاقتصاد كان مثقلاً بإرث سنوات من عدم الاستقرار، فإن الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي كانت لا تزال “قابلة للإدارة” نسبياً. في 27 يناير 2023 كان الدولار يتداول في السوق الموازي عند حوالى 594 جنيهاً، مقابل نحو 585 جنيهاً في معظم البنوك التجارية، وفق تقارير المتابعة للأسواق السودانية. هذا الفارق المحدود نسبياً كان يعكس وجود سوق موازٍ نشط لكنه غير منفلت بالكامل، مع قدرة نسبية – ولو ضعيفة – للسياسة النقدية على إرسال إشارة للأسعار. 

مع الدخول إلى 2024، كانت الأوضاع قد تغيّرت جذرياً بفعل الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، وتفتت السلطة النقدية بين مراكز متعددة، وتقطّع سلاسل الإمداد، وانكماش إيرادات الصادرات، خاصة الذهب. تقارير إنذار مبكر غذائية توقعت منذ أكتوبر 2023 استمرار تدهور العملة وبقائها في نطاق يقارب 850–950 جنيهاً للدولار في السوق الموازي حتى يناير 2024، وهو ما يعني – تقريباً – تدهوراً سنوياً بنحو 40–60٪ مقارنة ببداية 2023.  وفي الوقت ذاته قدّر البنك الإفريقي للتنمية في نشرته لأسعار الصرف في يناير 2024 السعر المرجعي للجنيه بنحو 805.5 جنيه للدولار، وهو رقم أقرب للسعر الرسمي، ويكشف اتساع الفجوة بين سعر الورق في الجداول وسعر الشارع في السوق الموازي. 

بداية 2025 كانت نقطة انعطاف جديدة؛ إذ تشير تقارير برنامج الغذاء العالمي عن “سوق السودان” في يناير 2025 إلى أن سعر الدولار في السوق الموازي بلغ في المتوسط حوالي 2,445 جنيهاً، مع ملاحظة أنه رغم حدوث “تحسّن طفيف” بنسبة 1٪ عن الشهر السابق، إلا أن الجنيه كان قد فقد 122٪ من قيمته مقارنة بالعام السابق، أي أن سعر الصرف تضاعف بأكثر من الضعف خلال عام واحد تقريباً.  وفي نفس الفترة تقريباً، يذكر آخر تحديث للبنك الدولي عن السودان أن السعر الرسمي استقر في مارس 2025 حول 2,019 جنيه للدولار، مقابل نحو 2,679 جنيهاً في السوق الموازي، بما يعكس سوقين شبه منفصلتين: واحدة على الورق، وأخرى تحكم الأسعار الفعلية للسلع والخدمات. 

إذا أردنا أن نلخّص بداية السنوات الثلاث بالأرقام، فيمكن القول – مع إدراك أن الأرقام تقريبية – إن الدولار بدأ يناير 2023 عند نحو 600 جنيه في السوق الموازي، ثم دخل يناير 2024 في نطاق 850–950 جنيهاً، قبل أن يقفز في يناير 2025 إلى حوالي 2,400–2,500 جنيه. بهذه الصورة يبدو الجنيه وكأنه يحتفل كل يناير بقفزة جديدة في سعر الصرف، احتفالاً لا تشاركه فيه سوى المؤشرات السلبية.الأشهر اللاحقة من 2025 كشفت أكثر عن هشاشة هذا المسار. ففي أكتوبر 2025 ذكرت تقارير إخبارية دولية أن الجنيه السوداني خسر قرابة 40٪ من قيمته خلال فترة وجيزة بعدما تسبّب حظر فعلي على الرحلات والشحن من الإمارات في تعطيل صادرات الذهب عبر بورتسودان، لتتدهور قيمة الجنيه من نحو 2,200 إلى حوالي 3,600 جنيه للدولار.  هذا المثال يوضح بجلاء أن سعر الصرف في السودان لم يعد يتحرك فقط وفق معادلات عرض وطلب تقليدية، بل أصبح رهينة مباشرة للصدمات الأمنية والجيوسياسية، خاصة تلك المتصلة بسوق الذهب الذي يمثّل الشريان الرئيسي للحصول على النقد الأجنبي.

هنا تظهر أهمية محاولة بناء نموذج رياضي – ولو مبسط – لالتقاط “روح” حركة سعر الصرف بين بدايات الأعوام. إذا اعتبرنا سعر السوق الموازي في يناير 2023 حوالي 594 جنيهاً، وفي يناير 2025 حوالي 2,445 جنيهاً، فإن أبسط افتراض هو أن السعر كان ينمو وفق نمط أُسي (exponential growth). بحساب متوسط معدل النمو السنوي خلال هذين العامين نجد أن السعر تضاعف تقريباً كل عام؛ أي أن معامل النمو السنوي يقارب 2.03 مرة (نحو 103٪ زيادة سنوية في متوسط سعر الدولار مقابل الجنيه). هذا الأساس البسيط يقود إلى معادلة تقريبية من نوع:

سعر ٢٠٢٦ ≈ سعر ٢٠٢٥ × معامل النمو السنوي

أي أن سعر يناير 2026 في السوق الموازي، إذا استمر نفس المسار دون تغيير في العوامل الأساسية، قد يقترب من:

≈ 2,445 × 2.03 ≈ 5,000 جنيه للدولار تقريباً.

هذا الرقم ليس نبوءة ولا توصية استثمارية، بل “محاكاة” رياضية مبنية على استقراء نمط السنوات السابقة، وهو نمط لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية دون أن يدخل الاقتصاد في حالة انهيار كامل أو يُفرَض عليه مسار تصحيحي قسري.

من الناحية العلمية، يمكن تطوير النموذج بشكل أكثر صرامة باستخدام بيانات شهرية أو أسبوعية من قواعد بيانات موثوقة مثل مشروع “Real Time FX Rates” للبنك الدولي، الذي يوفر تقديرات شهرية لأسعار الصرف في 18 سوقاً سودانية منذ 2007 حتى 2025، بما في ذلك أسعار السوق الموازي.  هذه السلاسل الزمنية تتيح تطبيق نماذج أكثر تعقيداً مثل ARIMA، أو نماذج “تحوّل النظام” (regime-switching models) التي تفترض انتقال الاقتصاد بين حالات مختلفة: فترات هدوء نسبي، وفترات صدمة حادة مرتبطة بالحرب أو الحصار أو صدمة الذهب. لكن حتى أبسط النماذج تكفي لتأكيد الفكرة الأساسية: أن مسار سعر الصرف في بداية كل عام يتبع منحنى تصاعدياً حاداً، وليس تذبذباً عادياً حول متوسط مستقر.

المرجعيات الدولية التي تتابع الوضع في السودان – مثل تقارير برنامج الغذاء العالمي وتحديثات البنك الدولي – تتفق على أن هذا المسار مدفوع بمجموعة متشابكة من العوامل: تضخم مرتفع ومستمر، تآكل الإيرادات الضريبية، ضعف الصادرات غير الذهبية، الاعتماد المفرط على تمويل العجز عبر التوسع النقدي، إلى جانب استمرار الحرب وتحوّل جزء كبير من النشاط الاقتصادي إلى اقتصاد حرب غير رسمي.  ومع كل صدمة جديدة – كتعطل صادرات الذهب بسبب التوترات مع دولة مجاورة – يجد السوق الموازي نفسه مضطراً لإعادة تسعير العملة الوطنية نحو مستويات أضعف، دون أن يكون لدى السياسة النقدية أو المالية أدوات فعالة لكبح هذا المسار.

في ظل هذه الصورة القاتمة، يصبح السؤال عن يناير 2026 سؤالاً عن السياسة والحرب بقدر ما هو سؤال عن الأرقام والمعادلات. إذا استمرت الحرب، وبقيت قنوات الحصول على النقد الأجنبي – خاصة الذهب – مضطربة، ولم يُفتح مسار جدي لإصلاحات هيكلية مدعومة سياسياً واجتماعياً، فإن احتفال سعر الصرف ببداية العام الجديد بقفزة جديدة سيظل مرشحاً للاستمرار، وربما يتجاوز التوقعات التي يعطيها أبسط نموذج رياضي. أما إذا نجح السودان في تحقيق تقدم حقيقي نحو وقف الحرب، وإعادة هيكلة العلاقة مع مراكز الطلب على الذهب، وضبط العجز المالي، فقد يشهد يناير 2026 لأول مرة منذ سنوات احتفالاً مختلفاً: احتفالاً بانكسار حلقة التدهور، لا بانكسار رقم قياسي جديد في انهيار الجنيه. حتى ذلك الحين يبقى عنوان “عام الاستقرار النقدي في السودان” مجرد عنوان كاذب، أو لعلّه أمنية معلَّقة على مشهد اقتصادي وأمني لا يزال في قلب العاصفة.

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *