
د. ناجي الجندي
كاتب صحفي
• قَبل عشرة أعوام تقريبًا أمر رئيس الوزراء الأوكراني برمي المسؤولين الفاسدين في مكب الزبالة، ونفس الأمر تكرر في المكسيك، حتى قلت إذا كثرت براميل القمامة في بلادك فاعلم أنه قد كثر الفساد، لذلك أقترح على الجهد الشعبي والذي اضطلع على الكثير من مشاكل البلاد معينهم الله عز وجل في عمل كبير ومقدر لحل هذه المشكلات، أقترح عليهم أن يجتهدوا في توفير الكثير من مكبات وبراميل القمامة، لأن الفساد عندنا يحتاج لجهد كبير في جمع البراميل، في فترة سابقة ابتكر شباب في مدينة ما أسلوبًا ناجعًا لمحاربة القمامة، لما رأوا تجاهل المسؤولين للأمر، ونومهم العميق عن العمل والتحرك والعلاج، فكانوا يوجّهون الناس لبيت معتمد المحلية ليكبوا عند بابه الزبالة، حتى أصبح المكب الأشهر في تلك المدينة، بيت المعتمد أو المدير التنفيذي به أناس أبرياء، أولاده وبناته وزوجته وكل أسرته، لذلك يُعد مثل هذا العمل شاقًا علينا، فلنكتفي برميهم هم في هذه البراميل رغم أن تلك الفكرة تروقني.
كنا زمان منذ عهد النميري رحمه الله نتعالج مجانًا، والدواء مجانًا، بل وحتى الوجبات في المستشفى كانت مجانية، أنت المريض ومن يرافق، وأي أكل! المستشفى كانت خدماتها خمسة نجوم، وبعد عهد السماسرة سماسرة الدواء والعلاج والمستشفيات تغير كل شيء، حتى أصبحت الطوارئ تحسب على المريض الساعات ليدفع فاتورتها، بل ووصل بنا الأمر لحجز الجثامين لحين الدفع، و(الما عندو مغترب عن الدنيا سيغترب). مهما كان المرض بسيطًا فيمكن أن تفقد حياتك بسببه، لأنك ببساطة لا تملك ثمن العلاج أو العملية، وإن ملكتهما فإنك حتمًا لن تجد الدواء متوفرًا أو العملية جاهزة، لأن الدكتور المحترم لسة ما رجع من المستوصف الخاص.
فما بالك بمرض مثل حمى الضنك التي لا تنتظر تكوين لجان أو كشف متطلبات أو إخبارية لمسؤول ما! وكل ما تحتاجه للفتك بالمريض هو 10 أيام لا أكثر، والأدهى والأمر أن هذه الحمى معدية، لأن مسببها فيروسات تساعد في نقله البعوض والذباب، وهي تتوالد وتتكاثر في الخريف، فالخريف أكبر مساعد لنقل الأوساخ وانتشار البرك والمسطحات المائية الراكدة.
المسؤول الذي ليست لديه جراءة في اتخاذ قرار أو تأليب مواطنين أو شحذ همم، عليه أن يرحل قبل أن يتسبب في قتل الناس أجمعين، فعليهم التوقف من الركض خلف الترقيات والعلاوات قليلًا، والبحث مع المواطنين عن حلول ناجعة سريعة لمجابهة هذا المرض العضال، والمسؤول في بلادي أكثر ما يجيده هو الكلام، وأتذكر لما كنت في المعتقل وجاء مسؤول كبير يزور السجن، وأصبح يردح في الكلام المحفوظ والمعسول، نفس العبارات، ونفس الآيات القرآنية، ونفس الأحاديث الشريفة، ونفسها (الله أكبر الله أكبر) كل شيء كأنما مسجل على شريط تسجيل، فلما طلب منا مدير السجن التحدث باسم النزلاء واختارني للحديث، مسكت المايك وقلت بضع كلمات قليلات (كلكم بتقولوا نفس الكلام ونفس الوعود، ماف مسؤول جانا هنا وحقق لينا طلب واحد، فإن كنت مثل هؤلاء فيكفيني أن أقول لك شكرًا على الزيارة، وأما إن كنت صادق الوعد منصفًا فنحن نحتاج لخزان مياه ونريده بالكثير غدًا، فإن جاء الخزان فأنت نعم الرجل، وأما إن لم يأتِ الخزان فشكرًا للزيارة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، وبكرة وصل الخزان لإدارة السجن.
نعم الكلام الكثير رغم كثرته فهو ببلاش، وقد قال شكسبير: قد بات بوسع كل أبله أن يتلاعب بالألفاظ، حتى لأكاد أحسب أن الحكماء سيفضلون الالتزام بالصمت. عليه فنقول لكل مسؤول شكرًا للزيارة، فإن كنت رجلًا بحق فبكرة نريد الخزان.
يجتمع المسؤولون في اليوم عشر مرات، كل ذلك للتفاكر في زيادة تعرفة أورنيك 15 أو زيادة الإيجارات للبني آدميين، أو ابتداع فكرة تأجير الدرداقات، ومنع خلق الله من العمل بها إلا تحت مظلة المحلية، هذه هي كل اختراعاتهم، لا يبدعون ولا يفكرون إلا من خلال آلة تحقق لهم الربط الشهري والسنوي لأن الوالي يريد ذلك، فهو ربهم الذي يعبدون.
شارك المقال