منال بشير عباس
(الأقنعة)
• كانت الحياة لوحة باهتة يطغي عليها اللون الرمادي في.نظر ( هبة ) ، جارتنا في الحي الأمدرماني العريق و الشابة العشرينية التي وجدت نفسها بلا وظيفة و بلا مصدر دخل ثابت تعين به أسرتها رقيقة الحال بعد سنوات من تخرجها من ( كلية الفنون الجميلة).
ورثت ( هبة ) حب الرسم من والدتها ( صابرة ) و التي كانت تعمل ( حنانة ) موهوبة تزين أرجل و أيادي سيدات الحي في المناسبات و في الأيام العادية أيضا و كانت مهنتها هذه ، رغم تعبها، تدر على الأسرة دخلا معقولا يساعدها على تحمل مشاق الحياة و اعباءها المتزايدة يوما بعد يوم.
الوالد، كان ميكانيكيا مخضرما، اجبره كبر السن و ما تبعه من أمراض مزمنة على ملازمة الدار و عدم مغادرتها الا للضرورة القصوى و الإبن الوحيد ( أحمد) ، شقيق ( هبة) ،الذي يصغرها بعامين ، أكمل الجامعة و لم يوفق في الحصول علي وظيفة أو عمل فأصبح محبطا و ساخطا كل الوقت .
كانت ( هبة) تأتي أحيانا في صحبة والدتها لزيارتنا في المنزل و كنت اسألها عن دراستها و عما تحلم بتحقيقه لنفسها و أسرتها في المستقبل !!! و كانت عيناها الذكيتان تلمعان بفرح طفولي و هي تتحدث عن المعرض الذي تحلم بإقامته بعد التخرج لأعمالها في إحد مراكز ( الخرطوم ) الثقافية الكبيرة و كانت تحدثني بحماس عن المشروع الصغير الذي فكرت في تنفيذه مع مجموعة من زميلاتها و زملاءها لصناعة مشغولات خزفية و مصنوعات يدوية بأخذ قرض صغير من أحد البنوك، يتم سداده على أقساط مريحة فيما بعد. كان لديها كثير من الأحلام و الخطط التي تهاوت و تكسرت على صخرة الواقع القاسية في السنوات التي اعقبت تخرجها من الجامعة و التي بلغت فيها المأساة قمتها بإشتعال الحرب في البلاد السمراء و احتراق الاحلام و موت الأشجار واقفة في مهب الغربة و النزوح.
كانت ( صابرة) والدة ( هبة ) بطبيعتها إنسانة بسيطة و مكافحة ، تقابل الناس بأبتسامة خجولة ،تخفي خلفها كثير من الألم و المعاناة بعد أن أصبحت العائل الوحيد لأسرتها الصغيرة و كنت كلما قابلتها و سألتها عن صغيرتها الموهوبة. تخبرني بأنها – بعد أن تخرجت – لم تترك بابا لم تطرقه لكنها لم توفق بعد في إيجاد عمل .
بعد فترة اصبحن جاراتنا يوصين بعضهن البعض ، بالشابة الموهوبة و التي تفوقت على والدتها في رسم الحناء و كانت الكثيرات منهن يجهلن أنها جامعية ، تخرجت من الجامعة بنجاح و تفوق
بعد فترة عرضت أحد السيدات في الحي على ( هبة ) أن تعمل معها في ( تصميم التياب) على أن توفر لها هي المواد الخام و الزبائن و تقوم بأعطائها جزء من الأرباح التي يدرها المشروع.
بدأ المشروع بعدد بسيط من التياب و الزبائن ، توسع بعد زيادة الطلب و جودة الإنتاج، إلى اعداد كبيرة لم يعد وقت ( هبة) المحدود يتسع لتلبيتها رغم أنها تركت العمل في مجال الحناء .
فكرت السيدة صاحبة المشروع في استجلاب أيدي عاملة مساعدة لكنها وجدت أن ذلك سوف يكون خصما من الأرباح الكبيرة التي صارت تجنيها بالإعتماد فقط على الفتاة الشابة و موهبتها و مثابرتها على عملها لترضي أذواق و طلبات الزبونات الصعبة.
ازدادت الأرباح و زاد عدد الزبائن و أصبح للسيدة إسم معروف في عالم ( تصميم التياب) التي لم تكن في الحقيقة، تصمم منها شيئا. طالبتها الشابة ،المصممة الحقيقية ،و الفنانة الموهوبة برفع أجرها ووضع إسمها معها عند التسويق، فرفضت ذلك و هددتها بأن توقفها عن العمل.
إنتهى الأمر بفض الشراكة بين الإتنين و انتقال ( هبة) إلى سيدة أخرى في بحري قامت هي الأخرى بإستغلال رسوماتها و تصميماتها بوضع إسمها عليها مع إعطاءها القليل جدا من الكثير جدا الذي كانت تجنيه من إنتحال صفة ( المصممة العبقرية ) و صيتها الذي اكتسبته بين زبوناتها كسيدة أعمال مميزة و نجمة مجتمع راقي.
بعد نشوب الحرب، نزحت ( هبة) و أسرتها إلى مدينة ( ود مدني ) و التقينا مرة واحدة في المدينة الجميلة التي كنت قد سبقتهم إليها بشهور و في المدينة الحنينة ، تحدثنا كثيرا و ضحكنا و بكينا – ذات ظهيرة رائقة – و اخبرتني هي و والدتها ، أن والدها لم يكن على ما يرام و انه أصبح صامتا، زاهدا في الحديث، قليلا ما يتحدث مع احد و إن تحدث كان السؤال الدائم على لسانه هو ( متين العودة لإمدرمان ؟!) . بعد ذلك، انقطعت أخبارهم عني و غادرت أنا إلي خارج السودان في رحلة المجهول.
سمعت بعد مغادرتي بوقت قصير بعودة جيراني ل ( أم درمان ) و بوفاة الوالد الذي أنهكه فراق الاحباب و الديار و كثرة السفر و الترحال.
إتصلت بهم و عزيتهم في فقيدهم و سألتهم عن دارنا الحبيبة و عن الشوارع و ( المنازل التي لها في القلب منازل ) و عن الجيران و عن و عن ؟
فأخبروني أن الدور تسأل عن أصحابها و أحبابها و أنها تشتاقهم و تسأل عنهم أيضا و أخبروني أن ( الطريق الشاقيه الترام ) قد خلا من الوجوه المألوفة و الأصوات الحبيبة و أنهم جميعا في إنتظار عودة الحياة و عودة الناس و عودة الأمن و السلام للأرض التي فقدت السلام.
بعدها انقطع التواصل بيننا ، رغم عدة محاولات مني ومنهم بلا شك، تعددت الأسباب و المسافات و الوجع واحد.
تداعت كل هذه الذكريات إلى خاطري عندما علمت مؤخرا أن ( هبة) و والدتها و شقيقها قد قرروا و نفذوا و غادروا السودان إلى بلد جار.
لا أعرف تفاصيل قرارهم، لكن يمكنني أن أفهم أسبابهم، فكل من خرج أو بقى في ظل هذه الحرب ، كانت له أسبابه التي لا يستطيع شرحها لأحد و لا ينبغي لأحد أن يطالبه بها.
أتمنى لجارتي العزيزة، جارتي الموهوبة ، المكافحة ، أن تجد فضاءا رحبا، يسع أحلامها و طموحاتها و أن يمنحها المكان الجديد الذي اختارته و أسرتها لبدايات جديدة ، الوان من الفرح و السعادة.
فرح تغمس فيه ريشتها الفنانة لتلون سماواتها الشاسعة بألوان قوس قزح و أن تبدأ ( هناك) من جديد ، فراشة من ضي . فراشة جميلة ، حرة و طليقة ، تسطع موهبتها و تتوهج دون أن تحترق بنور الإبداع أو بنار الغربة و أن تتمكن من تقديم شخصها و فنها للناس بدون حوجة للإختباء خلف اسماء مزيفة ووجوه شائهة ، تسرق عرق الآخر و كده و كدحه في الحياة و تختبئ خلف ألف قناع و قناع ، لكي تلمع و تشتهر لكن سرعان ما يفتضح أمرها فتنطفئ و يطويها النسيان.
* ملحوظة : تم تغيير الأسماء حفاظا على خصوصية الأشخاص والأحداث الحقيقية في السرد.
شارك القصة
