تراكم الجثث.. من الاشتباكات إلى الأوبئة .. المخاطر والمعالجة في السودان أثناء الحرب وبعدها

297
د. عصام صالح

• منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، تفاقمت الأوضاع الإنسانية والصحية إلى مستويات كارثية. واحدة من أكبر الكوارث المسكوت عنها كانت تراكُم الجثث في الشوارع، وتحت الأنقاض، وفي المرافق الصحية المهجورة، وهو ما يُشكّل خطرًا بيئيًا وصحيًا وأخلاقيًا جسيمًا على المجتمع.

يتناول هذا المقال مخاطر تراكُم الجثث أثناء وبعد الحروب، خاصة في السياق السوداني، ويركّز على الأبعاد الصحية، النفسية، البيئية، والدينية، مع استعراض حلول معالجة الوضع سواء على المدى القصير أو الطويل.

أولًا: الأسباب الرئيسية لتراكُم الجثث

1. استمرار الاشتباكات وانعدام الأمن:

تمنع العمليات العسكرية المستمرة في الخرطوم ودارفور من وصول فرق الإسعاف والمتطوعين.

2. تدمير البنية التحتية الصحية والبلدية:

خروج المستشفيات، والمشارح، ومرافق دفن الموتى عن الخدمة.

3. نزوح السكان وغياب مؤسسات الدولة:

هروب العاملين في الصحة والبلديات بسبب القصف المباشر، وغياب التنسيق الرسمي.

4. غياب التمويل والدعم اللوجستي:

نقص الوقود، المركبات، أدوات الحماية، وأكياس الجثث، ما يجعل نقل الجثث ودفنها مهمة شبه مستحيلة.

5. انتشار الجثث في مناطق يصعب الوصول إليها:

جثث تحت أنقاض المنازل، أو في مناطق الاشتباك المباشر.

ثانيًا: المخاطر الناتجة عن تراكُم الجثث

1. المخاطر الصحية والوبائية

تفشي الأمراض المعدية:

ليست الجثث مصدرًا فوريًا للعدوى في حالات الوفاة الطبيعية، لكن في ظل بيئة الحرب، حيث لا تُخزّن الجثث بطريقة آمنة، تصبح خطرًا بيئيًا حقيقيًا.

أمراض مثل الكوليرا، التيفوئيد، الزحار، والجمرة الخبيثة قد تنتقل عبر المياه الملوثة بسوائل تحلّل الجثث.

تلوث مصادر المياه:

في مناطق مثل بحري ونيالا، وردت تقارير عن تحلل جثث قرب مجاري المياه، مما قد يؤدي إلى كارثة صحية وشيكة.

انجذاب الحشرات والكلاب الضالة:

تُشكّل الجثث غير المدفونة بيئة مثالية لتكاثر الذباب والحشرات الناقلة للأمراض، وكذلك تجذب الكلاب، ما يزيد من مخاطر الهجمات على البشر.

2. الآثار النفسية والاجتماعية

الصدمات النفسية للأطفال والنساء:

رؤية الجثث، خاصة إذا كانت لأقارب أو جيران، تُخلّف أثرًا طويل الأمد يؤدي إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).

فقدان الكرامة الإنسانية:

ترك الجثث دون دفن يُعتبر انتهاكًا صارخًا للكرامة، ومخالفة للأعراف الدينية والثقافية في السودان.

صعوبة التوثيق وتحديد الهوية:

عدم وجود قاعدة بيانات جنائية أو بصمات يؤدي إلى صعوبة التعرف على الجثث لاحقًا، خاصة في حالات الاختفاء القسري.

ثالثًا: المعالجة والاستجابة اللازمة

1. الإجراءات العاجلة (خلال الحرب)

تأمين ممرات إنسانية للدفن:

يجب الضغط دوليًا على الأطراف المتحاربة لتوفير هدنة إنسانية دورية لجمع ودفن الجثث.

تفعيل دور المنظمات المحلية والدولية:

مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، ومنظمات سودانية مثل «جمعية الهلال الأحمر السوداني»، بالتعاون مع متطوعين وأئمة المساجد.

التعامل المهني مع الجثث:

يجب تدريب فرق الاستجابة السريعة على التعامل الآمن مع الجثث باستخدام أدوات الحماية الشخصية PPE.

إنشاء مقابر جماعية محترمة ومؤقتة:

مع ضرورة التوثيق الكامل لمكان الدفن وأخذ عينات DNA إذا أمكن.

توفير أكياس الجثث ومعدات التبريد المؤقت:

حتى يتم الدفن أو التحليل لاحقًا.

2. ما بعد الحرب: الحلول الاستراتيجية طويلة المدى

تشكيل هيئة وطنية لتوثيق الموتى والمفقودين:

تتعاون مع الشرطة الجنائية والأدلة الجنائية والمختبرات.

برامج الدعم النفسي المجتمعي:

دعم ضحايا الصدمة من المدنيين، خاصة الأطفال والنساء، عبر فرق متخصصة.

إصلاح البنية التحتية للمشارح والمقابر:

تحديث المشارح الحكومية وربطها بنظام إلكتروني لتوثيق الوفيات.

تحديث سجلات الأحوال المدنية:

وربطها بقواعد بيانات المقابر والمستشفيات والمشارح.

سن قوانين واضحة للتعامل مع الجثث في أوقات النزاع:

مستلهمة من القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.

رابعًا: الدور المجتمعي والديني

أهمية مشاركة الأئمة والشيوخ:

لتوعية الناس بعدم دفن الجثث بشكل غير موثق، وتوضيح أحكام الشريعة في دفن المجهولين.

تعبئة المجتمعات المحلية:

عبر لجان أحياء تطوعية للمساعدة في التبليغ، تحديد المواقع، والمشاركة في الدفن.

استخدام الإعلام ومواقع التواصل:

في التبليغ عن الجثث، المفقودين، وتوثيق الحالات، مع ضرورة احترام الخصوصية والكرامة.

خامسًا: أمثلة حية من السودان

مجزرة الجنينة (2023–2024):

تم العثور على مئات الجثث في شوارع المدينة والغابات، بعضها ظل دون دفن لأيام، رغم محاولات السكان.

الخرطوم بحري:

انتشرت جثث في الشوارع نتيجة القصف، ووثّق الأهالي حالات تحلل متقدمة في ظل غياب أي جهة رسمية.

شهادات من العاملين الصحيين:

أطباء ومتطوعون في دارفور أفادوا أنهم اضطروا لحمل الجثث في عربات الكارو ودفنها في أراضٍ غير مخصصة لذلك بسبب غياب البدائل.

الخاتمة

تراكُم الجثث أثناء الحرب في السودان ليس مجرد أزمة طبية أو لوجستية، بل هو مأساة إنسانية ذات أبعاد متعددة تمسّ كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. تحتاج معالجة هذه الكارثة إلى تحرك وطني شامل، بقيادة منظمات المجتمع المدني، ودعم دولي فوري، وتخطيط استراتيجي لما بعد الحرب.

مراجع ومصادر موثوقة:

1. اللجنة الدولية للصليب الأحمر – التقارير الخاصة بالسودان 2023–2024

2. منظمة الصحة العالمية – إرشادات التعامل مع الجثث أثناء الكوارث

3. توثيق من منظمات سودانية مثل “هارم ريدكشن سودان”

4. شهادات ميدانية من أطباء سودانيين (بالتعاون مع SBPCA)

• تم إعداد هذا المقال بالتعاون مع جمعية أطباء الرعاية الأولية السودانيين في بريطانيا SBPCA

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *