
الفنانة أم بلينة السنوسي.. وحوار ما قبل الرحيل:
حوار : محمد نجيب محمد علي
محرر صفحات النبض الإبداعي - فويس
• حين زارت كوكب الشرق أم كلثوم الخرطوم في ستينات القرن الماضي ، والتقت بفنانة الغرب أم بلينة السنوسى في دار إتحاد الفنانين السودانيين ، وهي في أولى عتبات الغناء قالت لها « الفن ليس سهلا ، ستواجهين الكثير من النقد والقليل من الإشادة . أصبرى . فأنت من اللواتي سيضعن الأساس للجيل القادم « تروى أم بلينة السنوسى رحلتها وذكرياتها في مسيرة الفن والتى بدأتها في أوائل الستينات وهى في الثانية عشرة من عمرها ، إذ أنها كانت مغرمة بتقليد الغناء الذى تسمعه . ولم تكن تضع في حسابها أنها ستصبح مطربة يوما ولكن قادتها الظروف وحفزها إعجاب الناس بصوتها لذلك الطريق . جلست إليها في منزلها بحى الوحدة بمدينة الأبيض عروس الرمال في حوار التجربة والذكريات وراهن الأغنية.

(كان حواري معها فى منزلها بمدينة الابيض قبل رحيلها بشهور قليلة)
• أسألك عن البدايات .. عن خطواتك الأولى في مسيرة الغناء ؟
– كنت طفلة مغرمة بترديد الأغنيات الخفيفة التى أسمعها ، كنت أحفظها سريعا . لم أكن أعرف أننى سأصبح مغنية يوما . أتذكر في الثانية عشرة من عمرى في عام 1961 م زارنا الحاكم العسكرى في منزلنا « الحكومة « وخفنا جميعنا من هذه الزيارة .. حتى أنا . إسمه الزين حسن .كان الناس يخافون من الحكومة وقابل أمى وأم فاطمة عيسى التى كانت تشاركنى في الغنا ء وطلب منهما أن تسمحا لنا بالمشارك بالغناء مع الفرقة التي كانت ستمثل كردفان في مسابقة المديريات بالخرطوم . في ذلك الزمان كان غناء البنات مرفوضا وليس من السهل موافقة أسرة علي أن تصبح أحدى بناتها مغنية . وبعد جدل وحوار وافقت أمى وأم فاطمة علي طلب الحكومة.
• وماذا عن تلك المسابقة والرحلة والأغنيات الأولى ؟
– أصبحنا أعضاء في فرقة « فنون كردفان « تلك الفرقة التى تخرج منها الكثير من مطربي كردفان وأسسها كبار الموسيقيين والفنانين الكردفانيين وعلي رأسهم الموسيقار الأستاذ جمعة جابر والذى أخذ بيدى وعلمني الكثير . أتذكر أن الفرقة التى سافرت للمشاركة في المسابقة كانت تتكون من 84 شخصلا . ثمانين رجلا وأربعة بنات فقط منهما أنا وفاطمة عيسي . كنا نمثل فرقة فنون شعبية كاملة الجرارى والطنبور والنقارة . وكل الأغنيات التى قدمناها كانت من كردفان بنغمات كردفانية . ووجدنا كل القبول وحصدنا الجوائز . وقمنا بعمل جولة في كل المديريات عدا الجنوب . وحين إستمع لنا محمد طلعت فريد إعجب بنا أنا وفاطمة عيسي وتعهد بتعليمنا حتى نكمل الجامعة .. فاطمة واصلت الدراسة وأنا عجزت في مقابلة طلعت فريد . كنا أنا وفاطمة أول ثنائي غنائى في السودان . منعها والدها من الغناء فالتزمت بذلك وبعد إكمال تعليمها أصبحت مخرجة في تلفزيون السودان حتى إنتقلت لرحمة الله .
• وماذا فعلت أم بلينة بعد ذلك ؟
– حاولت البحث عن صوت آخر يشاركنى الغناء حتى استمر كثنائى ولكنى لم أجد . وقال لي محمد عثمان وردى ومحمد الأمين أن صوتى جميل فلماذا لا أغنى لوحدى ؟ قدمنى وردى لعلاء الدين حمزة الموسيقار الكبير وطلب منه مساعدتى وفعلا منحنى الأغنية الأولى والتي أجيز بها صوتى . وأيضا وعدنى محمد الامين بالتلحين لى.
• وماذا عن تجربة إجازة صوتك ؟
– لم تكن إجازة الصوت سهلة في ذلك الزمان علي مدى ستة أشهر كنت أعاود اللجنة ويعيدونى لمزيد من التجويد . رغم أن العمل الذي كنت أمتحن به منحه لي الموسيقار علاء الدين حمزة وهو أحد أعضاء اللجنة . لم يكونوا يجاملون في الفن أبدا . اللجنة التي أجازت صوتى تتكون من إسماعيل عبد المعين وعلاء الدين حمزة وبرعى محمد دفع الله والعاقب محمد حسن ومكى سيد احمد والماحى اسماعيل وعلي ميرغنى وهم من عباقرة الموسيقي والأصوات .. لم يكن الوصول لأجهزة الإعلام سهلا.
• ذكرت الفنان وردى والفنان محمد الامين في حديثك ماذا أضافا لك ؟
– هم إخوتى قدموا لي الكثير ، ونصحونى كثيرا . وقفوا بجانبى . وحين جاء والدى من دارفور للخرطوم وكان له رأى في مسألة غنائى أقنعوه بمعاملتهم الطيبة لي وأوصاهم على . ووردى هو من قدمنى لكوكب الشرق أم كلثوم وعرفنى بها بإعتبارى فنانة واعدة
• ماذا تذكرين عن لقاءك بسيدة الغناء أم كلثوم؟
– كان لقاؤنا في نادى الفنانين . وأنا من المعجبات جدا بها . اتذكر أنها قالت لى طالما أنك إخترت طريق الغناء لابد من أن تصبرى وتجاهدى ، الفن ليس سهلا ، وستجدين النقد أكثر من الإشادة .. خاصة وأنك ستكونين الأساس لمن سيأتون من بعدك.
• وهل صدق حديث أم كلثوم ؟
– أجل ، واجهت الكثير من النقد ، خاصة من الصحف ، واحتملت الكثير . أذكر أن احدهم كتب ذات يوم بسخرية لاذعة بعد أن غنيت علي خشبة المسرح « ذات المسرح الذى تغنت فيه كوكب الشرق غنت فيه كوكب الغرب « وكان يقصدنى .. يقصد السخرية منى . وبالطبع أم كلثوم فنانة كبيرة جدا .وليس هناك مقارنة بينها وبينى .أنا اعرف ذلك وأخذت بنصيحتها وأحتملت . وبعد مشاركتى في أداء « ملحمة ثورة أكتوبر « تغيرت نظرة النقاد لى واعترفوا بقيمتى كفنانة جاءت بعد عائشة الفلاتية ومنى الخير .

• ما هي قصة مشاركتك في أداء الملحمة ؟
– لعبت الصدفة دورا كبيرا في مشاركتى فيها ، كنا وقتها نسكن في حى بانت في امدرمان ، وكان بيت الفنان محمد الامين بالقرب منى . كان بيته عبارة عن منتدى يجتمع فيه الفنانون والموسيقيون والشعراء وفيه تقام الورش والبروفات . كان محمد الامين يقوم بتلحين الملحمة التي كتبها الشاعر هاشم صديق ، وكانت البروفات علي صوت ووتر . حينها كنت مستمعة فقط أطرب لكل كلمة ونغمة . حفظتها وأنا بينهم .ووزعت مقاطع الملحمة على الفنانين محمد الامين وبهاء الدين محمد ابوشلة وعثمان مصطفي وخليل اسماعيل وبقي مقطع واحد « وكان القرشى شهيدنا الاول « لم يحددوا من سيغنيه وتقدمت وقلت لمحمد الامين أنا من ستغنيه . إن اعجبك غنائى وقال لي محمد الامين معقول ؟ وفعلا خرج ودخل كذا مرة ثم قال لي استمع .. وقمت بغنائه له .. وابدى الاخرون إعجابهم بأدائى .. وأقتنع محمد الامين بعد ذلك بي وجاءت مشاركتى معلنة عن ولادتى الكبيرة . الملحمة عمل ضخم وكبير ولن يتكرر مرة أخرى قدمناه عام 68 غنيناه أمام اسماعيل الازهرى بالمسرح القومى وابدى اعجابه الكبير به وامام النميرى وفي اتفاقية جوزيف لاقو عام 71 .. وهذا العمل لم يسجل للاذاعة حتى اليوم بشكل رسمى .. وحتى أننا منعنا من غنائه من بعد ذلك .ويفترض أن يكون هذا العمل نموذجا يبقى لكل الأجيال.
• ماذا تقول أم بلينة عن الغناء في الماضى والغناء الآن ؟
– الغناء في الماضى كان الاجمل كانت له عناصر لابد أن تتوفر وشروط ، الكلمة الجميلة واللحن الجميل والصوت الجميل أيضا . كنا نغنى من أجل الغناء . الآن إختلف كل شىء . ليس هناك كلمة جميلة ولا لحن ولا صوت إلا ما ندر. وللاسف القنوات الفضائية أصبحت تروج للأغنيات الهابطة . كل شىء أصبح في غير مكانه . لا توجد الان لجان للإجازة . وكل من غنى فنان .. أصبح الفن تجارة فاسدة . حتى البعثات الفنية التى تمثل الوطن صارت تتم بمجرد تأشيرة خروج ودعوة خاصة دون رقيب.

• ماذا عن أعمال أم بلينة الفنية ؟
– لدى أغنيات كثيرة ولكن المسجل منها في حدود كم وثلاثين عملا ، تغنيت بكلمات شعراء كبار أبوقطاطى واسحق الحلنقى والسر محمد عوض وهاشم صديق وابراهيم الرشيد ومحجوب شريف والذى أوقفت أغنيته « ما زلت بتذكر» عن البث أيضا
• وبماذا تحلم ام بلينة الآن ؟
– بماذا يفيد الحلم الآن . كانت لنا طموحات كبيرة ، وكنت احلم بزمن اجمل وأجمل . هل تصدق بعد كل هذا العمر والخطوات لم تقم الدولة حتى بتكريمى او ذكرى . لقد اصبحنا من الماضى . الفنان لا يكرمه أحد . سوى الذكريات والمعجبين به. لقد اصبحنا من التاريخ.
شارك الحوار