
سارة عبدالمنعم
كاتبة روائية
• أقسم بالله أنَّ هاتفي أصابته صدمةُ الجفاء، فآثر الصمت. سكت صوته أيّاماً، غيبوبةً أظنُّها. وأقسم أنِّي لو كنتُ في قلب أحدهم، لما غاب عنِّي وشوقي يناديه. هاتفي المخدوش على وجنتيه، وفي جبين شاشته شرخٌ عظيم، نال تلك الفصادة حين صافح صوتَ حبيبي، هامساً في أذني: «أنتِ امرأة لا تُعاد في حياة الأفراح مرَّتين، وإنِّي مشتاق».
هاتفي الذي يُجيد السكون بوضعية الصامت، يستطيع القفز والإغماء إن جاءه صوتٌ يسعد وصالنا. ولو كان لي رفيقُ قلب، لما انفصلتُ عن يومه، عن أحداث دقائق لحظته التي ستغدو غداً ذاكرةً لماضيه، وربما ابتسامةً للغد. لم أكن أقبل أن أدخل حياة أحدهم دون أن أترك بصماتي على أوقاته؛ فحتما سيصيبه الحنين ويفتقدني. حيلةٌ لا إرادية، وجدتُ قلبي وعقلي يمارسانها. تفيد دائماً.
لكن هاتفي، الصائمُ أبداً عن أحاديث الحب والاهتمام، صار يُغري وحدتي بالإنصات والاستمتاع في كل وقت لأغنيات أتشارك مع مشاعرها وشاعرها، ملحنها ومغنيها. أسافر في كل البلدان عبر جسر الموسيقى والشجون. تارةً أسبح في ملامح فتاة القصيدة، فأجاري جمالها، وكم توهَّمتُ أنِّي ملهمةُ شعراءَ بجنسيات مختلفة، معظمهم بالعربية.
أجدني في أجمل الأمسيات، بعد أن استيقظتُ عصراً من نومٍ طويل، رتّبتُ بيتي، أطلقتُ أعواد بخورٍ مصنوعة من عطر بلادي، والطلح المعسول. جلستُ على كرسيٍّ بركنٍ قصيٍّ من صالة غربتي، أطلُّ من نافذةٍ تُطلُّ على البحر، وأحتسي فنجان قهوة، قبيل حمَّام دافئ يزيل عن جسدي غربةَ المساء ووحدتي.
في بلادي، لم يكن هناك شيءٌ مستحيل. كانت الحياة بسيطةً، جميلة. أمَّا أنا، ففي الغربة يشتهي هاتفي لو أنَّه يستطيع الرنين. في الغربة لا أحد يكترث لشوقك. كأنَّ أبنائها لهم أكثر من أربعةٍ وعشرين ساعة في اليوم، لكنّ وقتهم لا يكفي للآخرين.
مصابو الشوق دائماً، تراهم يبتسمون بابتسامةٍ مصنوعة، على غير سجيتهم في بلادهم. في الغربة تهزمنا أغنية، وننتصر بالفرح إن رَبَّت كفُّ أحدهم على أكتافنا. في الغربة نتوهَّم الماضي كي نبتسم، وأحياناً نهمس بأنَّ لنا بختاً بالنيل من قصصٍ وصورٍ من بلادٍ كانت، قبيل الحرب، أنضرَ وأجمل.
لكن، من سيأتي بعدنا من أجيال، لن يكون له نصيبٌ ممَّا حظينا به. وتبَّاً لنا إن صار الفرح قاتلنا بالجفاء، فنتمرجح على حبال الأمس والماضي، لنغشَّ لحظات يومنا الطوال بأنَّ لنا أمساً مشطوباً من الحضور إلا في ذاكرتنا البالية.
ذاكرتُنا نفسها تجلدنا كل يوم، تختار عمداً الأمسيات والفجر المبكِّر كي تعيد لنا ماضي بلادٍ لن يعود. وإن عدنا إليها، تموت ملامحنا، ويصيبنا الذبول، وتصعقنا الأوقات الرتيبة بأنَّه في مثلِ هذا الوقت قبل عامٍ أو عشرة أعوام، كنّا في لحظةٍ أخرى بين أصحابٍ وضحكات، أهلٍ وحبيبٍ ينظر إلينا من بعيدٍ شوقاً.
صورةُ عُرسٍ كانت ملامحُنا فيه أصغر وأجمل، ودموعُ وداعٍ في حضن مسافر، وصراخُ وحدةٍ أورثنا إيَّاه موتُ صديقٍ أو حبيب. نحن نصرخ عند الحزن، فحقٌّ عليه أن يُقيم في بلادي، إذ لم نجاهر بالفرح صراخاً وقفزاً، بل كتمناه. فخرج الحزنُ أقوى، واحتفينا به أكثر ممَّا فعلنا بالسعادة.
في هذا المساء – أقصد مساء الغربة – أنا وهاتفي الصامت، عمداً بفعل أصابعي العابثة في ضبط صوته، انشغلنا بلحن قصيدة، عزف عود، ترنيمة أشجارٍ تتراقص خلف نافذة بيت الغربة. أجلس في ركنٍ قصيٍّ، بكامل الهندام، كأنِّي أستعدُّ للخروج إلى الحياة.
قاسمتني كلمات محمود درويش مسائي نشوة، ولكم تخيّلت أنِّي «ريتا»، فتاةَ قلبِ أحد الدراويش، من نسل وسحنة بلادي، أسمر الطبع، بين شدَّة وحنان، يقرأ لي كلمات «ريتا»، وصوت محمود درويش يردِّدُها، وموسيقى قلبي تقفز نبضاً يرقص.
ولكن! لا شيء أقسى من أن نصنع الضحكات ونجمِّل الملامح، كي تتناسب مع حاضرنا المخادع. صرنا نبحث عن كل ما يسدُّ القلبَ انشغالاً عن وصال حبيب. لا يهمُّني الأمر إن كان بفعل كرامة، أو إثارة شوق، أو اختبار حنين، أو شجار أصحاب. ما يهمُّني فقط أنَّ لا أحد يستحق وقته الحرمان. أما كفى ما فعلته بنا، وفينا تلك البلاد؟!
شارك المقال