• قال الإمام علي بن أبي طالب – رضي الله عنه- في وصف دقيق لعمر الإنسان في هذه الحياة، والمراحل التي يمر بها:
إذا عاش الفتى ستين عاماً
فنصف العمر تمحقه الليالي
ونصف النصف يذهب ليس يدري
لغفلته يميناً من شمال
وثلث النصف آمالٌ وحرص
وشغل بالمكاسب والعيال
وباقي العمر أسقام وشيب
وهمٌّ بارتحال وانتقال
فحب المرء طول العمر جهلٌ
وقسمته على هذا المثال
هكذا هي الحياة، فرحلة العمر محطات يتنقل بينها الإنسان، كل واحدة تسلمك إلى التالية، فالحياة يعيشها المرء من المهد وليداً، ثم تمضي به إلى أن يبلغ سن الشيخوخة لمن كتب الله له عمراً مديداً.
العمر سنوات وشهور وأيام معدودة، كلما مضى منها يوم خصم من الرصيد، فكل لحظة تمضي تبعد عن الدنيا، وتقرب من الآخرة.
وفي كل محطة يصلها الإنسان، يكون قد فقد شيئاً من قوته ومنعته، فالعظم يصيبه الوهن، والرأس يشتعل شيباً، والبصر يفقد حدته، وتتوالى الأسقام.
وهكذا يسعى الإنسان في هذه الدنيا، مؤملاً في غد، ولا يدري متى يحين الأجل، لأن ذلك من علم الغيب، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، لكن ما يصيب الإنسان مما ذكر هو رسائل تنبيه للعودة إلى جادة الطريق، والاستعداد للرحيل، فلا الأجل يؤخر، ولا العودة ممكنة. فالنتزود بخير الزاد، ولنكن على استعداد لذلك اليوم، فكم شيعنا من الأحباب، ولكن الدنيا تغري والإنسان ينسى من فارقهم، ويعود إلى ما كان فيه وكأن مخلد في هذه الدنيا التي هي دار عمل للآخرة
أبو العتاهية في مجلس الرشيد
صنع الخليفة هارون الرشيد يوماً طعاماً فاخراً، وزخرف مجلسه ثم أحضر الشاعر أبا العتاهية، وطلب منه وصف ما هم فيه من نعيم الدنيا. فقال:
عش ما بدا لك سالماً
في ظل شاهقة القصور
فقال الرشيد: ثم ماذا؟
فقال:
يُسعى إليك بما اشتهيت
لدى العشية والبكور
قال الرشيد: ثم ماذا؟
فقال:
فإذا النفوس تغرغرت
بزفير حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً
ما كنت إلا في غرور
فبكى الرشيد بكاءً شديداً، فقيل لأبي العتاهية: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته. فقال الخليفة: دعوه فإنه رآنا في عمى، فكره أن يزيدنا منه.