لؤي إسماعيل مجذوب
ضابط سابق - باحث في شؤون الأمن الوطني والحرب النفسية
• كان السبت يومًا خرج فيه صوت الرصاص أوضح من كل بيانات المليشيا، يومًا ظهر فيه أن الجنجويد حين يُفاجَأون يفقدون توازنهم بسرعة لا تشبه ضجيجهم. الهجمات التي نفذتها القوات المسلحة المشتركة غرب الأبيض لم تكن مجرد تقدم تقليدي، بل كانت اختبارًا لنظامهم الدفاعي… وقد سقط. تغيّر في التكتيك، سرعة في الحركة، ضرب ثم انسحاب ثم ضرب من جديد. لم يأت الجيش ليحرس خنادق أو يثبت علمًا على تبة، بل جاء ليهدم البنية القتالية للمليشيا نفسها، وهذا ما حدث.
في الأبيض شاهد الناس العربات المغنومة تدخل المدينة؛ عشرون عربة على الأقل خرجت من يد المليشيا خلال ساعات. أمّا خسائرهم الحقيقية فصمتت عنها قيادتهم لأن الاعتراف بها يعني الاعتراف بوجود ثغرة… وثغرتهم هذه المرة ليست في نقطة، بل في عقلهم الميداني بالكامل. غرب أم صميمة، أبوقود الدودية، حنيطير قرب الخوي… كلها نقاط انكسر فيها الإيقاع الذي اعتدوا عليه، ولم يستطيعوا ترتيب صفوفهم حتى بعد الظهيرة.
المشهد الأكثر دلالة لم يكن في ساحات الاشتباك، بل في الدبيبات. خروج الأسر التي كانت تُوطّن هناك، هروبها نحو الفولة، تحوّل القرى التي ظنوا أنها «مناطق ثابتة» إلى محطات إخلاء. الجيش اقترب من الجهة التي لم يضعوها على خريطتهم، وتلك وحدها كفيلة بأن تزرع الفوضى في أي تشكيل عسكري مهما حاول ادعاء الثبات. أبو زبد خلت من المدنيين بعد ضربات الطيران، والمليشيا هرعت تستنجد بقوة إضافية. حتى الهادي أسوسة ترك لغة الكبرياء وأرسل تطمينات في قروباتهم… وتطمينات القائد في لحظة خوف هي في حقيقتها اعتراف بأن الوضع يتدهور.
ثم جاء محمد شقّة بعشرين عربة لمواجهة التقدم، وهذا إعلان واضح أنهم لا يملكون رفاهية توزيع قواتهم، وأن الدفاع عندهم تحوّل إلى «رد فعل» وليس «قرارًا». أمّا غرب بارا والحاج اللين وواحة البشيري وأم كرديم، فقد أصبحت طرق انسحاب مفتوحة. مئات العربات انسحبت خلال يومين، وبعض عناصرهم تُركوا بلا علم، وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في أي تشكيل مسلح؛ أن تعرف أنك تُركت خلف الخط دون إبلاغ. المليشيا تغدر حتى بمنسوبيها، وقصة «بقال» ليست حادثة شاذة. تُرك أمام الذهب والدولارات بينما رفاقه هربوا. غدر داخلي يعكس عقلية الفصيل الذي يقوده المرتزقة لا العسكريون.
الانسحاب من شمال وغرب بارا ليس مناورة، بل محاولة لسد الثغرات التي فتحها الجيش في جبل أبو سنون وتثبيت النهود وغبيش، لأن تلك المناطق لو اهتزت فلن يكون أمامهم سوى التراجع إلى عمق دارفور… وهناك ستكون المعركة التي لا تحتمل إعادة انتشار. الجيش لا يدفعهم غربًا عبثًا، بل يضغط عليهم في مسار لا نهاية له إلا الانهيار الكامل.
الآن تتضح الصورة: المليشيا تتواصل عبر هواتف وقروبات تبحث عن مخرج، تحرك قواتها بلا خطة موحدة، بينما الجيش يقترب بثبات، يضرب عند الضرورة، ويصمت عند الضرورة، ويركز على تدمير القدرة لا مطاردة الأفراد. ما يجري في كردفان ليس جولة عابرة، بل مرحلة كسر عظم… والجيش، لأول مرة منذ سنوات، يقاتل بعقيدة واضحة: إنهاء التهديد، لا استنزافه.
والذين ينسحبون غربًا اليوم يعرفون أن القادم ليس اشتباكًا متقطعًا، بل مواجهة فاصلة. وكل طريق يهربون عبره يقودهم نحو حقيقة واحدة لا مهرب منها: نهاية هذا المشروع باتت أقرب مما يجرؤون على الاعتراف به.
شارك المقال
