محجوب إبراهيم الخليفة
كاتب صحفي
• تحت وطأة الأيام تتقاذف الإنسان موجات من الشدائد، وتتراكم فوق كتفيه أعباء تترك أثراً بالغاً على قلبه وعقله. لا يكاد فرد ينجو من تقلّبات الحياة التي تمتد بين أفراحٍ عابرة وهمومٍ مقيمة، ولا يسلم من اضطراب النفس وما يعتريها من ضعف ووهن. هذه الطبيعة الإنسانية تشهد عليها النصوص الشرعية، وتُعزِّز فهمَها الدراسات النفسية الحديثة، لتصوغ لنا رؤية متكاملة حول كيفية صنع التوازن الداخلي أمام ضغط الخارج.
تقول الآية الكريمة:- (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ)، وهي شهادة قرآنية على أن الوجود البشري قائم على المعاناة والمشقّة، وأن التحدّي جزء أصيل من مسيرة الإنسان. الضعف هنا ليس عيباً، بل سمة راسخة تُذكّر الإنسان بحاجته الدائمة إلى العون الإلهي، كما قال تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا). هذا الاعتراف الرباني بضعف الإنسان يفتح الباب أمام إدراكٍ أعمق لمعنى الضغوط، إذ ليست نتيجة فشل أو نقص، بل مكوّن من مكونات الرحلة التي يتربّى فيها الإنسان ويترقّى.
تزيد السنة النبوية هذا المعنى وضوحاً؛ فقد قال رسول الله صلى الله على وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»، إشارة إلى أنّ المؤمن يعيش محاطاً بضوابط وابتلاءات تُهذّب نفسه وترفعه درجات. وجاء عنه صلى الله على وسلم أيضاً: «إن الله لا يملّ حتى تملّوا»، تنبيه إلى بشرية الإنسان وحدود طاقته، وأن الفتور والتعب من صفات النفس التي تحتاج إلى رعاية لطيفة وفهم دقيق. وتبرز في أحاديث أخرى معالم الدعم النفسي العميق، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إن لنفسك عليك حقاً»، وهي قاعدة تربوية عظيمة تؤكد أن العناية بالنفس ضرورة شرعية، لا ترف ولا أنانية.
وتشهد دراسات علم النفس المعاصر على ما قررته الشريعة من قبل؛ فالإنسان كائن محدود الطاقة، شديد التأثر بالضغوط المستمرة. وتشير أبحاث هانس سيلي في نظرية «الاستجابة العامة للضغط»، إلى أن الجسد والنفس يمران بثلاث مراحل مرهقة: مرحلة الإنذار، ومرحلة المقاومة، ومرحلة الإنهاك. يصل الفرد إلى الأخيرة عندما تستنزف الضغوط طاقته، وتنهار قدرته على التكيف. يلتقي هذا التحليل العلمي مع التوجيهات الشرعية التي دعت إلى الموازنة، والراحة، والابتعاد عن التكليف فوق الوسع، كما في قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).
ويحذّر علماء النفس من أثر التوقعات المثالية على زيادة التوتر؛ فالعقل البشري يميل إلى تضخيم الفشل، وإهمال النجاح، والانشغال بالممكن حتى يغيب عنه الواقع. وتتوافق هذه الرؤية مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز»، فالنصيحة تجمع بين السعي الواقعي والاعتماد على الله، وتنأى عن المثالية العاجزة، التي تُنهك النفس بدل أن تدعمها.
كما تؤكد النظريات المعرفية السلوكية، أن الأفكار السلبية المتكررة تُعيد تشكيل الإدراك، وتُعمّق الإحساس بالضغط، وهو ما ينسجم مع النهج القرآني في توجيه الفكر؛ فالله تعالى يقول: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ)، في إشارة إلى دور الوعي الداخلي وترتيب الأفكار فـي صناعة الطمأنينة.
تتباين النفوس في قوة التحمّل، غير أنّها تلتقي عند نقطة مشتركة: الاحتياج إلى سند روحي، وإلى مهارات نفسية تساعدها على التوازن. وينصح علماء النفس بممارسة الاسترخاء، والتنفس العميق، وتفريغ الضغوط عبر الحديث، وطلب الدعم من المحيط الاجتماعي. وتتكامل هذه التوصيات مع ما رسّخته الشريعة من قيم الصبر، والتوكّل، وحسن الظن بالله، وصحبة الصالحين، وإحياء القلب بالذكر والدعاء.
وقد أوضح القرآن أن رفع البلاء جزء من الرحمة الإلهية: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)، بينما كشف الرسول صلى الله عليه وسلم سرّ التعامل مع الهمّ بقوله: «عجباً لأمر المؤمن… إن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له»، وكأنّ السنة تضع وصفة علاجية متكاملة، تتجاوز علاج الأعراض لتصل إلى بناء نفس تقاوم الضعف وتستثمر الألم.
يبرز من خلال الجمع بين النصوص الشرعية والرؤى النفسية، أن النفس البشرية، رغم ضعفها، قادرة على النمو إذا وُضعت على طريق الوعي والتزكية. ليست الضغوط شراً مطلقاً؛ أحياناً تُصبح جسراً للنضج، ودافعاً للبحث عن الذات، ومحرّكاً للعودة إلى الله. النقطة الفارقة أن يعرف الإنسان مواضع ضعفه، وأن يعتني بروحه كما يعتني بجسده، وأن يوازن بين العمل والراحة، وبين الطموح والرضا، وبين الأخذ بالأسباب والتسليم لأقدار الله.
ضغوط الحياة لا تُعدّ علامة على خلل فطري، بل جزءاً أصيلاً من طبيعة الوجود التي خُلِقَ لها الإنسان. فالنصوص القرآنية والنبوية تقدّم إطاراً روحياً راسخاً للتعامل مع هذه الضغوط، بينما تمنحنا العلوم النفسية أدوات تحليل وعلاج. وعندما يلتقي الإيمان بالوعي، تتقوّى النفس، وتغدو أكثر قدرة على مواجهة التقلبات، وأقرب إلى السكينة التي وعد الله بها قلوب عباده الصادقين.
شارك المقال
