معتصم تاج السر

م. معتصم تاج السر

كاتب صحفي

• في آيةٍ قصيرة من سورة مريم الآية (٣١) قال نبي الله عيسى عليه السلام:

«وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ»

جملة تهزّ الروح كلما مرّت على القلب، كأنها وعدٌ من الله بأن يكون الإنسان نوراً ممتداً طيب الأثر، جميل الحضور أينما حملته الأيام وأيّاً كان المدى الذي يقطعه في هذه الدنيا.

إنها ليست مجرد آية تُتلى، بل دعوة حياة وسرّ مسير وحكمة القلب حين يطلب معنى الوجود فيقع على كلمة «مباركاً»، فيهدأ، كأنها البلسم الذي يردّ للروح طمأنينتها.

ينبغي للمسلم ألا يفتر لسانه عن قول: «اللهم اجعلني مباركاً أين ما كنت» أذكرها في الهدوء والصخب، في الحضور والغياب، في السفر والقرار، فحين تخرج من قلبٍ صادق تصبح كخيط نور يسبقك، يهيئ لك الأرض، يلين لك القلوب ويبعد عنك السوء، ويكسو أيامك لطفاً لا يُرى ولكنه محسوس.

البركة ليست في المال وحده، ولا في كثرة ما نملك، بل في معنى أعمق بكثير؛ أن تحلّ بمكان فيطيب بك، وتقترب من الناس فيفرحون بقربك، وتعمل فيتوسع رزقك ويفيض خيرك، وأن تكون وجوداً خفيفاً على الروح، ثقيلاً في قيمته، كريماً في عطائه.

وقد قال أهلُنا: «الداب نفسو مقصّر»؛ فلا تكن محباً لنفسك فقط، ولا تجعل العالم يدور حول ذاتك وحدها. 

بالمحبة يحيا الإنسان، وبالمشاركة يكتمل القلب، وبالاهتمام بالآخرين تنفتح لك أبواب من النور لم تكن لتُفتح لو بقيت محصوراً في حدودك. 

كن رحمة تمشي، ويداً تمتد، وقلباً يصافح القلوب من غير حساب…! 

فبهذا وحده تُصبح البركة معنى يتجسّد فيك.

أن تُصبح بركةً لمن تعرف، سنداً حين يتعبون، راحةً حين يضيقون وقلباً حين تحتاج الحياة إلى قلب. 

أن تكون اليد التي تُعين، والكلمة التي ترفع، والنفس التي تُطمئن.

هكذا يكون الإنسان «مباركاً»، لا لأنه الأفضل، بل لأنه الأفضل لأجلهم.

والبركة حين تُلازمك، تُلاحقك في عملك، في مكانك، في زمانك، في أهلك، في رزقك، في صحتك، وفي كل أمر يمرّ بك، كأنها رفيقٌ من السماء يمسك بيدك ويمشي، لا يتركك وحدك، يُنير لك الطريق، ويُخبرك بأن الله قد جعل فيك خيراً فلا تطفئه.

وما أجمل أن تكون البركة حيث حللت..! 

أن تكون للآخرين كما البحر…! هادئاً وشاسعاً، مقصوداً دائماً، كلّما ضاقت الدنيا بأحد قصدك ليغرف من حضورك طمأنينة، ومن حديثك سكينة، ومن قلبك دفئاً لا ينتهي. 

تصبح وجهاً من نور، محبةً تمشي، أثراً طيباً لا يُنسى. 

تصبح مباركًا…!

لا لأنك تقولها فقط، بل لأن الله يزرعها فيك، ما دمت تطلبها بصدقٍ ونيةٍ خالصة.

وفي نهاية هذا المسير المضيء بالآية والدعاء، يبقى القلب يُردّد في لحنٍ يشبه نسيم المساء:

«اللهم اجعلني مباركًا أين ما كنت».

دعاءٌ يشبه وعداً بالحب، وامتداداً للنور، ورغبةً خفية بأن نكون أثراً لا يبهت مهما ابتعدت بنا الدروب. 

لتظلّ ما حييت وجهاً تحبه الأماكن، وروحاً تشتاقها القلوب، ونبعاً من السكينة كلما قصده أحد وجد عنده حياة.

كن بركةً تمشي… وحين تغيب، يفتقدك الناس كما يُفتقد الغيم حين يتأخر، وكما يُفتقد البحر حين يسكن الشطآن. 

ولتبقَ في كل مكان تحلّ فيه قصة جمال، وعطر حضور، وظل رحمة، كما لو أنّ فيك جزءاً من الرحمة لا يغادر وبركةً لا تنطفئ.

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *