أثر الحرب في الأدب

25
الحرب2
Picture of د. الباشا برشم

د. الباشا برشم

أستاذ مساعد في الأدب العربي

• عبد الله خُوي أغْشَ البنادر وشوفن

بنوت المتمة اتجدلن صفوفن

شايلات القِرَب متل الخدم في كتوفن

بعد خمرة وجلاد سال القمل في رفوفن

لربط الحاضر المُرّ بالماضي الأمرّ لابد لنا من الوقوف عند رباعية الشاعر الحاردلو المذكورة في مستهل المقال، وما أشبه الليلة بالبارحة في وطننا النازف الجُرح! يموت رجال، ويحي رجال، والحرب سجال. تلك الأبيات الناطقة بالتراجيديا هي مرآة صادقة عاكسة لنكبة المتمة التي خلّدها التاريخ. عندما قمع الأمير محمود ود أحمد تمرُّد عبد الله ود سعد زعيم الجعليين على المهدية، حينئذٍ وقعت الواقعة وتم سبي 2570 فتاة إلى أم درمان غير الصغيرات وكبيرات السن اللائي لا إرب للرجال فيهن. (المصدر: الاتجاه الإفريقي في الشعر السوداني، دكتور حسن صالح التوم).

وقوله أيضاً:

ناساً قُباح من الغرب يوم جونا

جابوا التصفية ومن البيوت مرقونا

أولاد ناس عزاز متل الكلاب سوونا 

يا يابا النقس يا الإنقليز تلفونا 

ما يثير الدهشة هو طلب الغوث من الأجنبي الإنجليزي عندما بلغ السيل الزُّبى! وها نحن اليوم نكرر ذات المشهد، نتضرع ونجأر بالشكوى مرة للاتحاد الأفريقي وتارة للأمم المتحدة، ولات حين مناص! هكذا هي الحرب، موتى، نازحون، ومشردون يصارعون في مجاهيل الدروب الصمت والتذكار. 

مثلما للحرب من مساوئ يندى الجبين لذكرها فكذلك يوجد وجه آخر للعملة يتمثل في أنها مصدر إلهام ومؤثر مهم في الأدب شعراً كان أم نثراً. فقد جادت قريحة الشعراء وتم نظم الملاحم الشعرية لتمجيد البطولات الحربية منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وقصيدتا الإلياذة والأوديسا للشاعر هوميروس تعتبران خير شاهد على تخليد ملاحم المعارك البطولية الإغريقية. 

ولمّا كان المجتمع العربي قي الجاهلية يعيش في كنف الحروبات الدائمة والتي تقوم لأتفه الأسباب أحياناً، مثل حرب داحس والغبراء والتي قامت بسبب رهان سباق على فرسين، ودارت رحاها أربعين سنة، فقد وصفها شاعرهم زهير بن أبي سلمى قائلاً:

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ** وما هو عنها بالحديث المرجّم

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ** وتضر إذا ضرّيتموها فتضرم

فتعرككم عرك الرحى بثفالها ** وتلقح كشافاً ثم تنتج فتتئم

نرى أن الشاعر يصف الحرب بأقبح الأوصاف، فإنها كالنار التي تقضي على الأخضر واليابس، وكالطاحونة والناس بينها كالحبوب، وكالناقة التي تلد كل عام توأمين مما يجعل المولود هزيلاً ضعيفاً. كل هذه الأوصاف يريد منها الشاعر أن يخبرنا بأنه لا فائدة من الحرب للمنتصر أو المهزوم.

كذلك لم يغفل من عاشوا في كنف الحرب العالمية الثانية عن الإبداعات الأدبية نثراً وشعراً. ومن الروايات الخالدة نذكر رواية الحرب والسلام للأديب الروسي ليف تولستوي والتي أخذت من الحرب بين روسيا وألمانيا مادتها الأدبية الدسمة. 

ومن الحرب الصربية البلغارية خرج لنا الكاتب الإيرلندي جورج بيرنارد شو بمسرحيته الكوميدية الضاحكة (الرجل والسلاح) والتي تتناول فصولها الحرب وبشاعتها بسخرية لاذعة من العسكر. 

أما على الصعيد الشعري للحرب العالمية الثانية نذكر الشاعر ت. س. إليوت وقصيدة (الأرض الخراب)، والشاعرة آنا أخماتوفا وقصيدة (القصيدة بدون بطل) والتي تعبر عن الحزن والفقدان والشوق. 

ومن الشعراء الروس الذين لمع نجمهم في ساحات البطولة والأدب نورد قصيدة للشاعر غسطنتين سمانوف بعنوان (انتظريني فإنني سأعود) وقد كانت القصيدة رسالة من جندي وهو مغادر لساحة الوغى إلى محبوبته، وسأقوم بترجمة جزء منها عن الروسية، يقول:

انتظريني فإنني سأعود

بل وحيدة انتظريني

انتظريني حتى

تمطر السماء ذهباً 

انتظريني عندما تتساقط الثلوج

انتظريني عند الهجير

انتظريني حيث لن ينتظرني الرفاق

الذين ينسون حديث الأمس

انتظريني فمن تلك البقاع النائية

لن تصلك رسائلي

انتظريني حتى يملّ الانتظار

كل من كان ينتظر! 

وكذلك حريّ بنا أن نذكر رائعة أخرى للشاعر الروسي ماتفي إيساكوفيتش بلانتر بعنوان (كاتيوشا)، يقول: 

كاتيوشا 

كاتيوشا، كاتيوشا

الغزالة الجميلة 

التي تغني في الصباح

على ضفاف النهر 

والقصيدة طويلة تجسد حب الفتاة الروسية لوطنها ولجنديها الذي ذهب إلى الحرب وتعتبر من روائع الشعر القومي الروسي.

وكانت الحرب الأهلية في الشرق الأوسط فترة صعبة ومريرة ولكنها أيضاً كانت موحية بالابداع للشعراء الذين كتبوا عن تجاربهم وآرائهم حول الحرب. ونذكر منهم: محمود درويش وقصيدته (بطاقة هوية) التي تعبر عن الهوية الفلسطينية والشوق إلى الوطن، يقول فيها:

سجّل

أنا عربي 

ورقم بطاقتي خمسون ألف

وأطفالي ثمانية

وتاسعهم .. سيأتي بعد صيف! 

فهل تغضب؟

كذلك الشاعر نزار قباني وقصيدته (هوامش على دفتر النكسة) تعبر عن الحزن والغضب والشوق. وفدوى طوقان وقصيدة (الطريق إلى القدس) معبرة عن الشوق إلى القدس والوطن. وعبد الوهاب البياتي وقصيدة (كتاب البحر) والتي تعبر أيضاً عن الفقدان والحنين إلى الوطن.

وعندما كان العراق يمر بفترة تاريخية صعبة من الاضطرابات والصراعات، نادت الشاعرة نازك الملائكة الناس أن يتحدوا ويتضامنوا في مواجهة التحديات وأن يعملوا سوياً لبناء مستقبل أفضل، تقول:

أناديكم أشد على أياديكم

ألا يترك بعضنا بعضاً هنا

ألا يخدع بعضنا بعضاً هنا

ألا يغدر بعضنا بعضاً هنا

ألا يظلم بعضنا بعضاً هنا

ألا يقتل بعضنا بعضاً هنا

وفي وطننا السودان –بلد الخير والطيبة- فقد كان لحروبات التاريخ الحديث في الجنوب ودار فور كان لها القِدْح المعلّى في الأدب الروائي والشعري.

ونلخص الأدب الروائي باختصار في: (طائر الشؤم) للدكتور فرانسيس دينق وتدور حول مسألة جنوب السودان، و(هذه الضفاف تعرفني) للأستاذ فضيلي جماع ويتناول فيها مسألة منطقة أبيي، و(مسيح دار فور) للكاتب عبد العزيز بركة ساكن ومخبرها أحداث دار فور، وأخيراً رواية (المجدلية) للكاتب عبيد المجذوب وخلاصتها أن جندياً شمالياً كان في منطقة العمليات الحربية وجامع فتاة جنوبية ذات مساء وكان عطاء اللقيا طفلة سمّاها المجدلية. واختفى والدها في ظروف غامضة بالجنوب. نبتت المجدلية في أرَض غير أرضها بملامح شمالية حيث البشرة الخمرية والشعر السبيبي المسدل، لذلك كانوا ينادونها (جنا مندكورو)، وعاشت صراعاً اجتماعياً نفسيّاً مذهلاً بين الجنوب والشمال، إلى أن أوصلها الراوي لأهل والدها في أقصى شمال شمال كردفان. ولم تجد أباها بينهم ولكن وجدت حنان رابطة الدم متجسداً في جدتها لأبيها. 

ولم تجف قريحة الشعراء، فقد رعفت أقلامهم دماً مما أصاب البلاد من جراح مثخنة غائرة في الجسد، فكان الخراب أينما نظرنا، خوف وجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات!

يقول الشاعر محمد نجيب محمد علي نائحاً وباكياً على ما آل إليه حال الوطن، وجدير بالذكر أن نشير إلى أن هذه القصيدة ازدادت طعماً حلواً عندما غنّاها الأستاذ سيف الجامعة، يقول:

ذات ناصية في خراب الوطن

ذات نهر حزين

وردة الموج كانت تفتش 

عن فجر بستانها

وهي ترنو لصوت المحن!

… كنت أنظر صوت أبي

كانت الريح قافلة من رصاص

وأمي تجمع في ثوبها دمعتي

وتبحث عن شارع للخلاص

الملاجئ ليست لنا

نحن في جراح أحزاننا لاجئون!

ويلتقط القفاز بقوة الشاعر الدبلوماسي محمد المكي إبراهيم قائلاً في قصيدة (فرح في حديقة شوك قديم):

زهرة .. زهرة .. يسقط الثأر ما بيننا

والمتاريس والتعبئة 

يسقط الزمن المتشرب بالخوف والدم

واللاجئين من حساباتنا

تسقط الحرب كالتبن

تحملها الأودية

فإذا فرح طالع في حديقة شوك قديم

طازجاً كالجواري

ومقتحماً كالنسيم! 

ولنون النسوة حضور متألق بين الأدباء حيث أنهن أكثر المتأثرين من ويلات الحرب من اغتيال واغتصاب وسبي وترمل ويُتْم ونزوح وفقدان للأحبة والديار، والهيام في مدار المجهول، والأبيات في صدر المقال خير شاهد على ذلك. 

تنوح روضة الحاج بعاطفة مشبوبة مترعة بالوجع باكية بعد أن تقطعت بها السبل في بيادر الغربة بعيدة عن الوطن مدافعة عن نفسها بنبرة خطابية عالية بقولها: «لست مقطوعة من شجر»!

تحدثني هذه النفس 

أن أعتلي منبراً

وأنادي على الناس

يا أيها الناس

لي وطن

صدقوني

أنا لست منبتّة

لست (مقطوعة من شجر)!!

فلي (عزوة) 

لي رجال أقدّرهم

ونساء

لي قبور هناك

أعز علي هذه الروح

من كل ما في الحياة!!

هنا 

لا يضايقني أي شيء

ولكنني لا أكف ولو ساعة

عن حنيني

إلى شمسه

أهله 

نيله

والصباحات فيه 

المساءات فيه

شوارعه

كل شيء به

وطني إنني

يستبد بي الشوق

حدّ العياء!

وتقول في قصيدة أخرى ملؤها الحنين إلى كل شيء في الوطن المكلوم: ضفة النيل، نبع توتيل، تبلدية، جبال الكجور، باب سنار، قصر دينار، الهجليج، لبس التوب، تقابة الذكر، التكايا، الضرا الكبير، المسيد، ووصايا أبيها الذي لم يعد حاضراً، نأخذ منها:

أنا الآن من أتوجس في غربتي 

يا أبي 

لا عليّ

ولكن عليه!

… على وطن

يتنازعه الآن أبناؤه

لا يرون المشيب على رأسه

لا يعدون هذي التجاعيد في وجهه

لا يرون الدموع بعينيه

إذ تستحيل

دماً

كلما هتفوا قائلين

لقد سقط الآن منا شهيد!

ومسك الختام دمعة حرّى للشاعرة المهندسة ابتهال مصطفى تريتر، وهي ليست أحسن حالاً من سابقتها، تقول في قصيدة لها بعنوان (موسيقا البندقية، معزوفة إلى ابن عاق):

لا تقرع موتاً جديداً إننا ** في خيمة الأحزان –آه- قُدامى

الموج في خيط البكاء مجرح ** العينين مذ قبروا به الأحلاما

كم جثة بالقاع غنّت فجرنا ** حملت إلى بيت الرصاص طعاما

الخوف جهّز للضفاف فراشها ** ليراك من خلف الضفاف عظاما

الغبن أحجية تغازل طلقة ** ألقت على خدّ الحياة سلاما

نم في عروق الوقت أبعد شوكة ** قد لا تدقّ وتنحني إظلاما

إن العذوبة فوق جلد صبية ** حُبلى تبيع طفولة ويماما

كل اليتامى في الغياب ندهتهم ** وقفوا على كُحل البلاد نشامى

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *